هي العالية، أشهر مقبرة في حوض البحر المتوسط، ترقد فيها جثامين الرؤساء والشهداء والفنانين، وكذلك جثامين المسيحيين والجنود البريطانيين والأميركيين وغيرهم؛ أما الرؤساء فهم رؤساء الجزائر المستقلة هواري بومدين، الشاذلي بن جديد، علي كافي، محمد بوضياف، أحمد بن بلة وآخرهم عبد العزيز بوتفليقة، وقبل هؤلاء جُمع رفات الأمير عبد القادر الجزائري المتوفى في سوريا ونقل إلى الجزائر ودُفن في هذه المقبرة.
أما البريطانيون والأميركيون فجثامينهم دفنت بعدما قضوا خلال الحرب العالمية الثانية، وخُصصت للمسيحيين جهة داخل المقبرة ذات الـ93 هكتاراً، أما الفنانون فمنهم وردة الجزائرية التي شاءت السلطات في الجزائر في شهر أيار (مايو) عام 2012 تكريمها بدفنها في "العالية".

ما هي "العالية"؟
على طول الطريق بين بلديتي الحراش وباب الزوار إلى الجنوب الشرقي من العاصمة الجزائر، تتراءى لك مقبرة بسور عالٍ وذات أشجار كبيرة وكثيفة وكأنها غابة من غابات الأطلس التلي الجزائري.
دخلنا بابها الرئيسي متوغلين داخلها باحثين عن مربع الشهداء، حيث دُفن قائد أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، والرئيس هواري بومدين ومن تلوه من الرؤساء المتوفين وأبرز شهداء الجزائر ورجال المقاومة.
صادفنا شيخاً متوكئاً على عكازه متخذاً من كرسي على جنبات المقبرة مكاناً لجلوسه، اسمه عمي محمد. سألناه "ما اسم هذه المقبرة يا أبي؟"، فأجاب بشيء من الغضب "ما تعرفهاش... مين جيت انت" (ألا تعرف اسمها... من أين أنت؟)، "أنا من العاصمة... أصحيح أن اسمها العالية؟"، فأجاب: "نعم... اسمها العالية يا وليدي... إنها العالية وهي عند ربي عالية... خلاتها مولاتها صدقة على روحها والآن شوف رجعت مقبرة للرؤساء والشهداء"، ويضيف: "لهيك يرقد بومدين، ومن هيك يرقد بن بلة وبزاف شهداء...".
العالية لم تترك خلفها قطعة الأرض هذه فقط، بل تركت عدداً من الأراضي في مناطق عديدة، وهنا في العاصمة أراض كثيرة بينها هذه المقبرة والأرض التي بنت عليها فندقاً على مقربة من شارع الشهداء اليوم، إنه فندق الجزائر أو سان جورج مثلما سماه الفرنسيون المستعمرون.

شكرنا عمي محمد، وأكملنا طريقنا نحو مقصدنا. وفي الطريق أردنا مزيداً من الاستقصاء فقابلنا شاباً في الثلاثينات من العمر. لماذا سميت هذه المقبرة بالعالية؟ سألناه، فأجاب: "والله يا خويا ماراني عارف... يقولوا إنو اسم امرأة كانت بكري والله أعلم" (والله يا أخي لست أعلم... يقولون إنه اسم امرأة كانت تعيش زماناً والله أعلم).
العالية حمزة (1886-1932)، هو الإسم الكامل لصاحبة أرض المقبرة، تنحدر من قبيلة أولاد نايل في محافظة الجلفة جنوب الجزائر، وولدت في منطقة سور الغزلان، امتلكت ثروة هائلة في عز استعمار فرنسا للبلاد، واستغلتها في خدمة فقراء البلاد والمساكين. امرأة صالحة وزاهدة تقول الكثير من الروايات التاريخيّة، بيتها كان ملاذاً للغلابى ومساكين القرى، فكانت تطعمهم وتسقيهم وتجود لهم بكل أنواع الخير.
عملت في مجال التجارة بعد وفاة والدها الذي ورِثت عنه أموالاً باهظة، لتتوسّع تجارتها وتمتلك آلاف الهكتارات من الأراضي في مناطق عدة في الجزائر ومنها العاصمة، لتجعل من قطعة أرضية كبيرة وقفاً، إذ تقدمت بطلب في هذا الشأن إلى السلطات الاستعمارية عام 1928، قبل توجهها نحو البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج، ومنحتها إياها بشرط جعلها مكاناً لدفن موتى المسلمين مجاناً، لتبقى مقبرة العالية شاهدة على خير امرأة من زمن مضى، وليبقى اسمها عالياً يتردد على مسامع الجميع، فكلما ودعت الجزائر أحداً من صانعي تاريخها، إلا وأضحت محجاً لشخصيات وزعماء ورؤساء العالم وذكرت على جميع الألسن.

"مربّع الشهداء"
الجزائر التي عُرفت من بدايات استقلالها إلى يومنا الحاضر بأرض الشهداء، وأرض المليون شهيد، جعلت في هذا المكان "جناحاً" مقدساً بقداسة الجهاد والوطنية الخالدة والشهادة الأبدية، ودفنت فيه شخصيات بارزة من شهدائها ورموزها ورجالاتها.
نقترب رويداً رويداً، نلمح من بعيد أضرحة هي في الحقيقة قبور، منقوشة على جدارها أسماء وتواريخ؛ يفتح لنا الحارس الباب فنلج مكاناً بمساحة واسعة على شكل مربع، تقابلك الرايات الجزائرية ترفرف في السماء، إنه "مربع الشهداء"؛ اتجهنا مباشرة إلى قبر الأمير عبد القادر الجزائري، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، وأحد قادة المقاومة الشعبية الجزائرية ضد غزو الفرنسيين خلال القرن التاسع عشر الميلادي، ثم قبر واحد من زعماء ثورة التحرير الجزائرية سي العربي بن مهيدي، ثم قبر أول رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة، ثم قبر هواري بومدين وآخرين.


في "مربع الشهداء" كان "النهار العربي" شاهداً على الشعور العاطفي الذي يتملّك زوار المكان، إذ لمحنا صدفة شاباً في الأربعينات واقفاً أمام قبر العربي بن مهيدي، رافعاً يديه إلى السماء ودامعاً، سألناه "هل الشهيد بن مهيدي من أقاربك؟"، أومأ برأسه "لا"، وتركنا وهو مطأطئ الرأس حزيناً.

"العالية" ليست مقبرة للزعماء والشهداء والرؤساء فحسب، بل بجوارهم يَدفن العامة من ساكني المنطقة وغيرها موتاهم، وفيها تمضي السيارات قاطعة منتصف المقبرة متجهة إلى الجانب الآخر من مدينة باب الزوار القريبة من "العالية".
المرأة التي رحلت عن الدنيا (مسمومة بحسب إحدى الروايات) من دون أن تنجب من زوجها المدرس محمد كرميش، تركت وراءها ملايين الجزائريين يذكرون اسمها بين الحين والحين، ومئات الآلاف منهم يذكرونها كل جمعة، والآلاف منهم يصدحون كل يوم: "حطني في لاري تاع العالية" (أنزلني في محطة توقف الحافلة لمقبرة العالية).
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة
1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير
1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير
1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...