18-03-2022 | 05:00

​التغيّر المناخي أبرز الأسباب... زراعة الحبوب في تونس تتراجع والأمن الغذائي مهدَّد

تواجه تونس في الفترة الأخيرة صعوبات في توفير حاجتها من الحبوب.
​التغيّر المناخي أبرز الأسباب... زراعة الحبوب في تونس تتراجع والأمن الغذائي مهدَّد
Smaller Bigger
تواجه زراعة الحبوب في تونس تحديات كبيرة في السنوات الأخيرة، في مقدمها التغيّرات المناخية، ما يزيد من خوف التونسيين على أمنهم الغذائي، بخاصة أن مشتقاتها تشكل عناصر أساسية لمائدتهم.
 
وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن ديوان الحبوب الحكومي، يبلغ استهلاك تونس من الحبوب 3.4 ملايين طن، منها 1.2 مليون طن من كل من القمح الصلب والقمح اللّين، ومليون طن من الشعير، بينما بلغ الإنتاج المحلي من الحبوب 1.6 مليون طن في 2021.
 
وتستورد تونس بقية حاجتها لتغطية الطلب المحلي المرتفع على مشتقات الحبوب، و80 في المئة من حاجتها من القمح اللين، وما بين 20 و30 في المئة من مجموع استهلاكها من القمح الصلب، وتتزود بأكثر من نصف وارداتها من روسيا وأوكرانيا.
 
وتواجه تونس في الفترة الأخيرة صعوبات في توفير حاجتها من الحبوب، رغم أن وزارة تجارتها أكدت أن لها مخزوناً كافياً للأشهر الأربعة المقبلة.
 
والثلثاء 8 آذار، نقلت وكالة "رويترز" عن تجار أوروبيين قولهم إن "ديوان الحبوب الحكومي في تونس رفض عروضاً مقدمة لشراء 125 ألف طن من القمح اللين بسبب الأسعار المرتفعة للغاية".
 
قطاع حيوي
تشكل الزراعة إحدى ركائز الاقتصاد التونسي، رغم تواضع الدعم الحكومي لها مقارنة بالدعم المقدم لقطاعات أخرى كالسياحة والصناعة.
 
وﺗﻌدّ زراعة الحبوب التي تشكّل 10 في المئة من القطاع الزراعي محصولاً محلياً مهماً. وبحسب دراسة أنجزتها وزارة البيئة التونسية، فإن ثلثي ﻣزارﻋﻲ الحبوب هم من ﺻﻐﺎر الفلاحين، ﻣﺎ يساعد على تفسير ﺣﻘﯾﻘﺔ أنّ إﻧﺗﺎج الحبوب ﻏﯾر ﻗﺎدر ﻋﻠﻰ ﺗﻠﺑﯾﺔ اﻟطﻠب اﻟﻣﺗزاﯾد، ﻻ ﺳﯾّﻣﺎ اﻟﻘﻣﺢ اﻟﻠّﯾن اﻟﻣﺧﺻّص ﻟﺻﻧﻊ اﻟﺧﺑز.
 
وكشف المرصد الوطني الفلاحي (حكومي) أن نسق استيراد الحبوب شهد ارتفاعاً بلغ 20 في المئة في سنة 2021. 

تواصل التّراجع
واعتبر عضو اتحاد المزارعين محمد رجايبية في تصريح خاص أن قطاع الحبوب في تونس يمر بفترة حرجة، بسبب التغيرات المناخية والجفاف الذي ضرب البلاد في مواسم متتالية، والمتوقع تواصل تأثيرهما خلال السنوات المقبلة، ما يستوجب ضرورة تدخل الدولة بوضع استراتيجيات تتماشى مع هذه المرحلة، تقوم أساساً على دعم المزارعين.
 
وبسبب النقص في كميات الأمطار خلال المواسم الثلاثة الماضية، تراجع إنتاج الحبوب إلى 800 ألف طن سنة 2020، كما تراجعت مساحات الزراعات الكبرى من معدل مليون و500 ألف هكتار قابلة للبذر إلى مليون و253 ألف هكتار في الموسم الزراعي 2022/2021.

ويتوقع خبراء في الزراعة أن تؤدي التغيرات المناخية إلى تقلص المساحات المخصصة لزراعة القمح بنسبة 20 في المئة سنة 2050، وأن تتراجع قيمة مساهمة إنتاج الحبوب في الناتج المحلي الإجمالي الزراعي بحلول عام 2100 بنسبة تراوح بين 30 و50 في المئة، ما سيقلّص من نسبة الاكتفاء الذاتي ويزيد من التعويل على الاستيراد. 
 
ويقول أستاذ علم المناخ في الجامعة التونسية زهير الحلاوي لـ"النهار العربي" إن زراعة الحبوب في تونس تنقسم إلى صنفين، الأول يعتمد أساساً على الأمطار ونسبته 90 في المئة، والآخر ونسبته 10 في المئة يحتاج إلى الري بكميات كبيرة من المياه في مراحل معينة من النمو، بدءاً بمرحلة البذر وصولاً إلى مرحلة الحصاد.
 
ويضيف أن مناخ تونس سيصير أكثر حرارة وجفافاً مع حدوث تغيرات في هطول الأمطار الموسمية، إضافة إلى ارتفاع مستوى البحر وزيادة نسبة الملوحة، لافتاً إلى أن تغير المناخ سيزيد من الفقر المائي، وسيساهم في تضرر المنظومات البيئية مع إمكان انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الزراعي.
 
وبحسب توقعات المختصين في المناخ، ستتقلص كميات الأمطار المسجلة بنحو 10 في المئة سنة 2050، و20 في المئة في سنة 2100.
 
ومن المرجح أن تواجه تونس انطلاقاً من سنة 2030 وبحدة أكبر مشكلة تتعلّق بندرة المياه، إذ من المنتظر أن تصل الموارد المائية المتاحة سنوياً لكل ساكن في تونس في أفق 2030، الى نحو 360 متراً مكعباً، مقابل 420 متراً مكعباً في سنة 2006، و1036 متراً مكعباً سنة 1960.

الحاجة للتّأقلم
حذّر خبراء تونسيون من أن الزراعة مهددة في ظل تأثير التغير المناخي في الإنتاج، لافتين إلى أن الطرق التقليدية في إدارة المخاطر لا تتماشى مع الظرف الحالي.
 
ويقول الحلاوي إن التحديات التي تواجهها تونس أمام التغيّرات المناخية، تجعل التأقلم أولوية ملحّة، ما يتطلب تعبئة وطنية ودعماً دولياً لتوفير الآليات اللازمة لتنفيذ اتفاق باريس من تمويلات ونقل تكنولوجيا وتعزيز القدرات.
 
ويعتبر أن تونس بحاجة إلى إنتاج نوعية جديدة من البذور قادرة على التأقلم مع التغيرات المناخية، ولا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه.
 
وعاد كثير من المزارعين في السنوات الأخيرة لاستعمال البذور المحلية، بسبب قدرتها على التأقلم مع خصائص التربة ومقاومة التغيرات المناخية.
 
ويشدد الحلاوي على أن الضغط على استهلاك مشتقات الحبوب والقطع مع سياسة التبذير سيساعدان على تقليص الفجوة بين العرض والطلب.
 
وبحسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، تحتل تونس المرتبة الثالثة عربياً في مؤشرات تبذير الطعام بمعدل 23.5 كلغ سنوياً للفرد، ويأتي الخبز في صدارة المواد المبذرة محلياً، ويكبّد تبذيره الدولة خسائر بنحو 35 مليون دولار سنوياً.