على غير العادة، تبدو أسواق البلدة القديمة في مدينة الخليل شبه فارغة لمن يعرف الخليل وطبيعة الحركة الاقتصادية فيها كمركز رئيسي للتسوق جنوب الضفة الغربية.
يبدو مشهد الشوارع شبه الفارغة غير مألوف، بل انه يثير الكثير من التساؤلات: هل السبب هو الهجوم الكبير للمستوطنين للاحتفال بـ"سبت سارة" الاسبوع الماضي بحماية الجيش الاسرائيلي وما أعقبه من مواجهات واعتداءات عنيفة وغير مسبوقة طالت البشر والحجر ومحاولات بعض المستوطنين بعد تكسير مسجد باب الزاوية حرقة؟ أم أنها نتيجة السياسات الممنهجة للحكومات الاسرائيلية لتفريغ البلدة القديمة من سكانها الفلسطينيين؟ وانتهاج سياسة تسهيل حياة المستوطنين على حساب السكان الاصليين؟ أم أنها مزيج من كل ذلك؟.
سبت سارة
30 الف مستوطن اسرائيلي احتفلوا بـ" سبت سارة" وقاموا بالقاء الزجاجات الفارغة وتكسير منازل الفلسطينيين وسياراتهم، بينما اغلق الجيش الاسرائيلي البلدة القديمة أمام الفلسطينيين ومنع حركتهم للسماح للمستوطنين باداء طقوسهم الدينية، يتقدمهم عضو الكنيست المتطرف ايتمار بن غفير، وسط ترديد المستوطنين للشتائم والعبارات النابية بحق الفلسطينيين.
سميح المحتسب صاحب مطعم للفلافل بالقرب من الحرم الابراهيمي قال لـ"للنهار العربي": "منذ يوم الجمعة بدأ المستوطنون التوافد على المدينة وحضر الجيش وبدأ فرض منع التجول علينا، لم نجرؤ على الخروج من منازلنا، كانوا يتصرفون بهمجية ووحشية مبالغ بها". وتابع المحتسب: "الآن بعد تعيين المتطرف بن غفير وزيرا للامن ستتحول حياتنا الى جحيم، نتنياهو يبحث دائما عن المشاكل".
يعتبر"سبت سارة" أحد الأعياد اليهودية التي تم ابتداعها حديثاً بدعوى الاحتفال بسارة زوجة النبي ابراهيم، بعد خلاصها من بطش فرعون بحسب الرواية التوراتية، لكنه في الواقع عيد الهدف منه الترويج للوجود اليهودي في المدينة، وفرض الهوية الدينية اليهودية بالقوة على الخليل الفلسطينية، وارسال رسالة مفادها أنها استحقاق للمستوطنين ولابد من وجودهم في المدينة.
يقول الناشط الحقوقي هشام الشرباتي إن "أسوأ ما يمكن أن يحدث في الخليل هوالاحتفال بالاعياد التي تم ابتداعها للمستوطنين، وهذا العام كان الاحتفال بـ"سبت سارة" بمثابة تحد كبير للمدينة، بخاصة بعد فوز اليمين واليمين المتطرف بالانتخابات الاسرائيلية، ايتمار بن غفير ومعلمه الروحي باروخ مارزل قاما بتحريض المستوطنين ودعمهم للقيام بهذه الافعال التي وصلت الى حد تكسير مسجد باب الزاوية ومحاولة حرقه".

"الخليل اليهودية"
منذ احتلال مدينة الخليل عام 1967، أتبعت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة سياسة ممنهجة لتفريغ البلدة القديمة من سكانها الفلسطينيين، وأنشات أكثرمن 30 مستوطنة اضافة الى 20 بؤرة أستيطانية في مركز الخليل وعلى أطرافها بما يشمل محيط الحرم الابراهيمي الشريف، وبدأت حركة استيطانية غيرمسبوقة داخلها واليوم نتيجة لهذه السياسة تحولت المدينة الى ما يشبه الغيتو الكبير، في ظل مخططات متسارعة تنفذها السلطات الاسرائيلية لاحكام سيطرتها بالكامل على كل أحياء البلدة القديمة من مبان وأزقة وشوارع، علما أن أعداد المستوطنين في البؤرة الاستيطانية في قلب الخليل (الدبويا- بيت هداسا،تل رميدة-رمات يشاي ،مدرسة اسامة-بيت رمانو، الحسبة- السوق القديم وجويتنك سنتر، وبيت هاشلوم، منزل أبو رجب بيت هامكفيلاه ) لا يتجاوز 1000 مستوطن اسرائيلي، فيما يتجاوز عدد سكان المدينة 200 ألف فلسطيني.
تتسارع وتيرة الاستيطان في الخليل وكأنها في سباق دائم مع الزمن لرفع اعداد المستوطنين في المدينة، ولاستكمال عملية تهويد المدينة و القضاء على هويتها العربية الفلسطينية والمساعي الرامية لإقامة "الخليل اليهودية" في البلدة القديمة ومحيط الحرم الابراهيمي، وما بين الهدم والمصادرة والاستيلاء تصدر قرارات عسكرية ملزمة باغلاق عدد من الأحياء والشوارع ومنع تواجد الفلسطينيين فيها، ونتيجة لهذا السياسات تم نصب العديد من الحواجزعلى كل المداخل المؤدية الى لبلدة القديمة، بهدف أقامة احياء يهودية مترابطة لربطها بمستوطنة كريات أربع وبالتالي تنفيذ خطة "الفصل العنصري" بين السكان الفلسطينيين الأصليين والمستعمرين الجدد المستوطنين.

أبو شادي رامي الزعتري صاحب أقدم محل للحلويات في الخليل قال:" انهم يريدون البلدة القديمة فارغة من تاريخها وحضارتها التي يبلغ عمرها الاف السنين، فهم يمارسون أبشع الطرق لنقوم باغلاق محالنا. هذا المحل ورثته عن اجدادي عمره 120 عاما،بالكاد اتمكن من تسديد مصاريفي"، وتابع الزعتري: "كما ترون، أصبحت الخليل مدينة أشباح، يقوم المستوطنون بالقاء الحجارة الكبيرة علينا والنفايات حتى نرحل، كما يستهدفوننا بالقاء البراز والبول وفي بعض الاحيان يقومون برش المواد الكيماوية".
ووفقا لتقرير نشرته منظمة "بتسيلم" الاسرائيلية، توقعت أن يؤدي هذا المخطط الى سحب الصلاحيات من بلدية الخليل على العديد من الأحياء، كما أنه يمهد لتطبيق القانون الاسرائيلي على الفلسطينيين القاطنين في الاحياء الجنوبية من المدينة أوما يعرف بحسب "برتوكول الخليل" بمنطقة (أتش 2).
من الجدير ذكره أن "برتوكول الخليل" الذي تم الاتفاق عليه عام 1995، بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية قسم المدينة الى منطقتين (أتش1) والتي تشكل 80 في المئة من المساحة الكلية للخليل وتخضع للسيطرة الفلسطينية، ومنطقة (أتش2) وتشكل 20 في المئة من مساحة المدينة وبقيت تحت السيطرة الاسرائيلية فيما تم نقل الصلاحيات المدنية الى السلطة الفلسطينية.
وبحسب المنظمة الاسرائيلية تنتهج اسرائيل نظاماً يستند الى مبدأ الفصل والعزل على الأرض ويتضمن عزلاً قانونياً بين المستوطنين اليهود والأغلبية الفلسطينية، وبحسب المعطيات فقد نزح ما لا يقل عن 41.9 في المئة من الفلسطينيين من وسط الخليل، 65 في المئة من الشقق أصبحت فارغة، بينما 62.4 من المحال التجارية مغلقة منها 440 محلاً جرى اغلاقها بأوامر عسكرية، كما تعيق الحواجز العسكرية تنقل الاهالي بسهولة اضافة الى منع تسيير مركبات فلسطينية في شوارع اخرى، ما يعيق حرية الحركة والعبادة في آن، كما تتسبب هذه الاجراءات التعسفية بازمات نفسية للطلاب الذين يكابدون الويل صباحا للوصول الى مدارسهم، وتنتشر جدران الفصل والشباك لعزل الفلسطينيين عن محيطهم الاجتماعي.
المدير العام لأوقاف الخليل نضال الجعبري أشار إلى" أن المستوطنين يقومون بين الفينة والاخرى باحراق المصاحف وتمزيقها والقائها في القمامة، ليلة الاحتفال بـ"سبت سارة" تم اغلاق الحرم الابراهيمي أمام موظفي الاوقاف الذين يبلغ عددهم نحو 80 موظفا، وقام المستوطنون بالنوم والرقص والشرب داخل الحرم، عاثوا بالحرم فسادا و تركوا نفاياتهم وانصرفوا في الصباح، للاسف بعد المجزرة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين في شهر رمضان المبارك عام 1994، منحت لجنة "شمغار" 60 في المئة من الحرم لليهود، كما سمح لليهود باستخدام كامل المسجد 10 أيام في السنة، كذلك تم منع رفع الاذان".
وختم الجعبري: "المشكلة لدينا ليست مع الاشخاص، بن غفير أو غيره، مشكلتنا مع المنهج والفكر، بخاصة الافكار المتطرفة التي يحملونها، وكوننا الحلقة الأضعف سيتم تطبيق كل هذه الافكار علينا، بمعنى أن التنافس بين اليمين واليمين المتطرف والاكثر تطرفاً ستكون دماء الشعب الفلسطيني ضحيته، وسيتم التضييق أكثر على الفلسطينيين، وتبخر فرص أي سلام، وانتهاء فكرة الدولتين، كما أن الحياة اليومية ستتأثر بقسوة بوجودهم وبوجود البؤر الاستيطانية، ومصادرة المزيد من الاراضي وشرعنة المخططات المقبلة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
تحقيقات
2/20/2026 6:41:00 AM
خلال الحرب المستمرة على غزة، تبخرت جثامين ما يقارب من 3000 فلسطيني دون أثر.
المشرق-العربي
2/20/2026 9:14:00 AM
حماس: أي مسار سياسي أو ترتيبات تناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان
لبنان
2/21/2026 2:00:00 PM
الجيش الإسرائيلي: تم القضاء على عناصر من الوحدة الصاروخية في حزب الله في غارات أمس على منطقة بعلبك