الجمعة - 21 كانون الثاني 2022
بيروت 12 °

إعلان

الوشاح الأبيض يغمر ذاكرة الإنسان والزمان

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
الأبيض...
الأبيض...
A+ A-
الزمن الغابر حوى ما حواه من ذكريات، كانت العواصف هوجاء في شتائه، أين منها إعصار كريم وعويّصِفة نورما؟
 
كان الثلج صديق الأطفال. فتيةٌ مراهقةٌ إمتلأت من اللعب حبورًا ومن الدرس كربًا، تمدُّ أياديها خارج نوافذ غرفة الوجاق مساء، لمعرفة أنواع المتساقطات، هل هي مطرٌ أم ثلجٌ. ينامون على بركته، علّهم يجدون صباحًا أعجوبته البيضاء.
 
إنه الثلج، وشاحٌ من نول الخالق ما حاكه حائكٌ في الدنيا. غيوم السماء، توزع بالتساوي الهبة الربّانية رقعًا بيضاء فوق التلال والوهاد، فيزداد شغف الأولاد كلما تكدّس الأبيض. ثوبٌ جميلٌ للأشجار والأغصان العارية، وقار لقرميد السطوح، صمتٌ ساج، وهدوءٌ ناعمُ. القرية بما فيها من منازلَ وأزقةٍ وأعمدة كهرباء، ملفوفةٍ برداءٍ سميكٍ ناصعٍ. آثار دعسات ثعلبٍ جريءٍ على إمتداد صفحة الطريق البيضاء إلى قنّ الدجاج، اختلطت بآثار دعساتٍ أخرى لهررٍ تمارس نشاطها خلال أقصر شهر في السنة.
 
انطلق الأطفال بمهرجانٍ صاخبٍ كأنه مظاهرات الحراك. الوجهة منحدرات القرية. منتعلين أحذيةً كاوتشوكية (جزمات ماركة عنتر) لا يتسرّب إليها الماء، لكنها موصل جيد للصقيع. تحت إبط كلٍ منهم كيسٌ من النايلون السميك، أُفرغ مضمونه من السماد الكيماويّ قرب جذوع الزيتون، كُتب عليه بالخط العريض وبلغةٍ أجنبيةٍ كلمة (نيغرو). وشموا الطرقات بدعساتهم الصغيرة دعسًا ورصًا، غير آبهين بزمهريرٍ، لأن الدفء سال في عروقهم نبضًا من لعبٍ وقفزٍ.
 
 
ذاك الطفل الشقي، كان السّباق بالوصول إلى قمّة جبلٍ، تنحدر منه جلول كروم عنبٍ، في منطقةٍ تدعى (كروم العتاق)، هذه الجلول أصبحت بمساحةٍ واحدةٍ على اتِّساعٍ كبيرٍ، وقد اختفت الحفافي تحت سماكة الزائر الأبيض. إفتتحت شقاوة الطفل طريق التّزحلق، جالسًا على كيس (النيغرو) كأنه كولومبوس يعبر العباب بسفينته، جاهدًا من أجل الوصول إلى أسفل الكروم. لأن تقنيات هذه الرياضة، تقضي برصّ المسار ليصبح أخدودًا، كأخاديد منتجعات الألب للألعاب الأولمبية.
 
(من الفجر إلى النجر) أي إلى المساء، وقتٌ طويلٌ للّعب والتزحلق دون أوقاتٍ مستقطعة. لا جوعٌ ولا عطشٌ ولا تعبٌ، فكرات الثلج الصغيرة التي رصّتها الكفوف والتهمتها الأفواه، أغنت الأجسام عن الطعام والشراب.
 
يغيب نهارٌ ويأتي صباحٌ، بعيد شروق الشمس بقليلٍ، يكتسب الثلج بعض رطوبةٍ، يصبح غير صالحٍ للتزحلق. لكنه يضحي مناسبًا لألعابٍ أخرى، كالضرب بالكرات الثلجية وصناعة التماثيل ذات العيون المحدّدة ببلوط السنديان، وقد اُدخلت في أفواهها أعوادًا قصيرةً، لأن الجزر ثمارٌ في الأحلام عند أطفال الجبال.
 
لعبة المجهود، كانت كرة الثلج التي تكبر عند دورانها، يعمد الأولاد إلى تتابع مسيرها بجهدٍ جهيدٍ، لإعطائها حجمًا ضخمًا، متبارين للوصول إلى إنجاز أكبر حجمٍ، وتسجيله في كتاب غينيس للذاكرة القروية، إنها كرة ثلجٍ ضخمةٍ تحوي نقاوة نفنافٍ ربانيّ وجهد أطفالٍ، مغايرة تمامًا لكرة ثلج (شيمون شيفر) التي تحوي سياسةً وخبثًا ودهاء. 
ينتهي الشتاء، ويتحوّل ذاك الطفل إلى مكاريّ صغير، من المؤكّد أنه لا أحدَ يعرفه، ويمكن أنَّ آخرَ سمع به، أو رآه على دروب القرية راكبًا (كرّاجته).
 
ليس من صوتِ حوافر دابةٍ على حصى الدروب، أو رنين أجراس مركوبٍ يدغدغ أسماع السكون، بل صوتٌ أجشٌ صادرٌ عن احتكاك دواليب (رونوبيل) بإسفلت المنحدرات، صوتٌ فيه من الإزعاج ما يولّد الاشمئزاز في أبدان الجيرة جمعاء. هذا الصوت الأجش القوي يتقدّمه بأميالٍ معلنًا قدومه مع حمولة (كرّاجته) المؤلف من أكياس خيشٍ مليئة بأكواز الصنوبر البرّيّ لاستعمالها وقودًا تحت الصّاج. 
 
مركوبه كنايةٌ عن لوحٍ خشبيٍ مستطيل الشكل، ثُبِّت دولابان (رونوبيل) بواسطة جسرٍ خشبيٍ صغيرٍ تحت مؤخرته لحمل الأثقال، وثالث في المقدّمة بنصف مسافة العرض كمقودٍ للتحكّم بالاتّجاه.
 
كانت قدما السائق الصغير تقوم مقام كوابح المركوب، فالأحذية التي كان الصّغار ينتعلونها كناية عن (إسبدرين بو طبعة) صينيّة الصّنع ذات رائحةٍ كريهةٍ طبعاتها نافرة للأسفل، تترك على إسفلت الطرقات آثارًا كآثار عجلات سيارة حديثة من فرملةٍ مفاجئة. أمّا آثار حذاء الجلد الذي وُضع له نصف نعلٍ عند (الكندرجي) فأتت صوتية، تزول بعد انتهاء سمفونية النشاز من جرّاء الاحتكاك المتواصل للنعل بالإسفلت مع إيقاع احتكاك المسامير المتقطّع من أجل الفرملة.
 
أجمل ما في الريف أن تغوص في ذكرياتٍ جميلةٍ، تعيدك إلى سرقة التين والعنب والمشمش بدافع الجوع، ويكون تجميع الحطب وأكواز الصنوبر البرّيّ غطاءً للسرقة.
كانت ملاعبنا الحقول، كرتنا الشمس، البلبل الصيّاح حَكَمٌ يغرّد عند الخطأ والصواب على حد سواء.
 
ارتوينا من قطرات ندى على خدود العناقيد وخوخ ملوح ترويقة حامضة مستعجلة.
بعد جمع (كبوش) العلّيق، وتخريب أعشاش الطيور والهرب من الناطور، كنّا نجتمع في كرمٍ قرب قبو قديم مهجور، فتية سكن الجهل عقلها واستوطنت شهوة المراهقة جسدها.
 
من ابتسامات خيوط النور عبر أوراق السنديان الغض مرّت صبية مغناج بقد ممشوق، يتأرجح سلٌ في كوعها، متدليًا إلى خصر ضامر، يهتز فوق ردف، وكأن هزة أرضية على أعلى درجات ريختر، ضربت عيون مراهقين مع هزّات ارتدادية إلى العقول.
 
معبور ضيق محفوف بمخاطر لذيذة، حيث تمسّكت أشواك الورد البرّيّ بفستانها وتمرسّت نظرات بجسد بض ارتسم على حرير مشدود يصارع عبودية الشوك، حرير انكشف عن شامية على صدر أبيض بدسامة رغوة الحليب الفائر.
مراهق ذو عينين زرقاوين وبشرة دكناء من شمس ّالحفافي، كان أول المنجدين. فكّ اشتباك بين الأشواك والحرير، من خلال معاهدة بين ورود برية وصبيّة كحورية، معاهدة كُتبت على خد ذلك المراهق، ومُهرت بقبلة استمتعت بها نجوم الظهيرة، وكانت بمثابة شكر لولد يبيع الكون بقبلة صغيرة.
 
ويأتي أيلول شرفة الروح!
 
كيف هربت الأيام من عمرنا؟ كيف كان ذاك التلميذ الصغير عائدًا إلى المدرسة، غارقًا بالحزن، رائحة الحبر وغبار طبشور السنة الماضية، تذكِّره بألم سببه قضيب ينزل من الأعالي على كفّيه، متلبكًا يطيّر الهواء دفاتره وقبعته ويركض لالتقاطها.
 
كيف ألّح على الوالدة لتخيط له مزود كتب، علّقه بكتفه نتعًأ، وركض بشغف وراء الفراشات على الدروب المغبّرة، ملتقطًا (زيزان) مذهّبة عن أشواك الطرقات، هاربًا من جدول الضرب بين كروم العنب والتين، عائدًا إلى المنزل ممزّق الثياب، مصطبغ الشفتين من توت العليق البري.
 
كيف كان يتفرج على صراع ديوك القن، وينصت إلى صياحها في هجعة الليل الأخيرة، كيف كان يستمع لأغان غادية مختلطة بإيقاع أجراس تتدلى من أعناق البغال المسروجة، المحمّلة، وأصوات المكارية ورندحاتهم للمواويل، وأحاديثهم المتغالية بالبطولات والمراجل.
 
كيف كان ذلك العرزال يتأرجح في النسيم فوق حبور الصخور، يتنقوز عليه القمر من خلال أوراق السنديانة، ويلتحف بحفيف الحور ونسمات الشرق.
كيف كانت الحرب الباردة الساخنة بين الهواء ولهبة الشمعة وتفرّسه جيدًا، ينتظر نتيجة المعركة، لمن ستكون الغلبة؟ ويغلبه النعاس.
سقى الله زمانًا كانت قلوب الناس نقيّة كنقاء الثلج ونصاعه.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم