السبت - 15 أيار 2021
بيروت 23 °

إعلان

بيروت يا بيروت...

المصدر: "النهار"
بيروت يا بيروت (أرشيفية).
بيروت يا بيروت (أرشيفية).
A+ A-
 
عبد الكريم عمرين

كنت قد لمحت بائع البوظة في حديقة الدبابير، يحمل ترمسًا كبيرًا على كتفه مربوطًا بقشاط، أمسكت يد صباح فغاب نصف قلبي، ونظرت في عينيها فغاب نصف عقلي، لثوان لم أعرف ما جرى لي، قالت:
- شو باك؟ فيك شي؟
أردت أن أقول لها أحبك كما قالها عبد الحليم حافظ لنادية لطفي في فيلم جمعهما معًا، أو كما قالها لشادية في فيلم معبودة الجماهير، لكني شددت من عزيمتي وقلت:
- يلّا...
وقطعنا الشارع وصرنا في الحديقة. بدأ البائع العجوز يغرّد:
- بوظة أمير... بوظة أمير.
 
وكأنّه أدرك بحدسه أنَّنا سنشتري ممّا يبيعه. كانت بوظة أمير ماركة مشهورة في حمص. كان معمل البوظة يقع في شارع باب هود الرئيسي، في محل واسع نسبيًّا، برادات مفتوحة، والعمّال يدقّون الحليب على درجة حرارة متدنيّة داخل البرّاد بواسطة دقّاقة كبيرة من الخشب، والبرادات الأخرى وضعت فيها البوظة -وهي على شكل مستطيل- بعود خشبي، ولُفّت بورق مطبوع عليه بوظة أمير وصورة ولد يلعق البوظة، وتحت الصورة كُتب اسم صاحب المعمل صلاح أبو اللبن. كان صلاح أبو اللبن يجلس على طاولة من الحديد في مقدّمة معمله، ويستقبل بائعي البوظة، يقبض منهم ثمنها بالفرنكات يعدّها ويصفّها واقفة فوق بعضها، وينادي عامل التعبئة: عبي له ثلاثين، أو أربعين أو خمسين... فكل بائع يختار العدد حسب حجم الترمس الذي يحمله.
 
وقفت أمام البائع العجوز الذي رمقنا بعينين ناعستين:
- أعطيني تنتين بوظة ع شوكولا.
أخرج قطعتَيْ البوظة وانتظرني لأمسكهما. ارتبكت، كيف سأترك يد صباح وأناوله الفرنكين أيضًا؟! زَوَرني البائع وقال بغضب:
- شو عم تلعب؟ ما بدك البوظة؟
تركت يد صباح بسرعة، وأخذت ما أريد وأعطيته الفرنكين واعتذرت:
- لا تواخذني عمّو، بس شردت شوي.
جلسنا على مقعد نلعق البوظة، قالت:
- كيف عرفت إني بحبها ع شوكولا؟!
هنا رفعت صدري بزهو وكأني مكتشف الذرة، قلت لها:
- عرفت من لون عيونك.
ضحكت صباح طويلًا؛ صوت ضحكها فضحني أنا العاشق في جنينة الدبابير، ولفتت ضحكتها انتباه روّاد الحديقة. قلت لها محاولًا أن أبرّر معرفتي بحبّها للشوكولا:
- لأنّي أنا كمان بحب الشوكولا.
انفجرت صباح بالضحك، صارت تهز يدها يمنة ويسرة وتقول مختنقة بضحكها:
- يا ماما... هاه هاه هاه يا ماما أنت شو لذيذ.
أردت أن أوقفها عن الضحك قلت لها:
- بتعرفي صاحب معمل البوظة، إنه قريبي، فخالتي أم غازي زوجها من بيت أبو اللبن. بدك نروح لفرجيكي المعمل؟
صباح وقفت تقهقه، إذ لم تعد تستطيع الضحك وهي جالسة، فوقفت معها وأنا حائر ماذا أفعل! كيف باستطاعتي أن أوقف هذا البركان من الضحك؟! كنّا على وشك أن نلتهم البوظة كلها. فجأة توقفت صباح عن الضحك، التهمت آخر قطعة ورمت عود البوظة الخشبي وقالت بجدية:
- كتير طيبة ميرسي لإلك.
أما أنا، فرميت قطعتي في الأرض وأنا لا أعرف كيف يمكن أن أوقف ما يمور في نفسي. أدركَتْ صباح ما بدخيلتي، فاقتربَتْ ومسحَتْ شعري بيدها ثم طبطبت على كتفي، قالت:
- بجد أنا مبسوطة معك. يلّا، لوين بدك تاخدني بعد؟
انفرجت أساريري، وجاءني الفرج! أريد أن أخرج من جنينة الدبابير الملعونة، أحسست بدبابير تلسعني فيها، قلت مبتسمًا:
- إلى الدبلان.
أثناء مسيرنا صرت أشرح لها معالم المدينة:
- انظري صباح هذه الساعة الجديدة.
قالت:
- واوو!!!
- بَنَتْها امرأة عظيمة غنية مهاجرة اسمها كرجية حداد. وهذا موقع حمص. هنا قيادة الجيش السوري بحمص، ومقابله السرايا وقد بناها الفرنسيون، هي الآن دار الحكومة وفيها محافظ كويس اسمه مصطفى رام حمداني، وفيها محاكم للزواج والطلاقات.
وكلّما أشرت إلى مبنى، كانت صباح تفتح عينيها وتتأمّل المبنى وتتبع تأمّلها بـ "واووو!" نحن في أول الدبلان، على اليمين سينما الفاروق وعلى اليسار مقهى الجزّار. مشينا خطوات قليلة، ثم وقفت عند حائط السينما قبالة بسطة تبيع المخلّل وتقدمه في صحون صغيرة مع المرق، قالت:
- شو باك؟
لم أردّ... طلبت من البائع صحنَي مخلّل مشكّل، وزبديّة مرق إضافيّة. صباح أصابتها الدهشة فمنظر عرض المخلل وحركة البائع - وكان يضع طربوشًا مطرّزًا على رأسه- السريعة والأقرب إلى الرقص أعجبها. التهمنا المخلّل وشربنا مرقه وأعطيت البائع فرنكين، ومشينا إلى آخر الدبلان حيث مقهى الدبلان. خفت أن تطلب مني أن نجلس في المقهى، فلم يعد معي نقود، ولا فرنك واحد! لكنّها فجأة نظرت في ساعتها وقالت:
- واووو اتأخرنا! يا دلّي، هلّأ بكون انشغل بالن عليّي رفقاتي وأصحابي.
عدنا سريعًا ونحن نمسح بنظرينا محلات شارع الدبلان، بائعي غزل البنات والعلكة والكعك... وصلنا إلى حيث كان الباص بانتظارها، وقفت تشكرني بعينين فيهما امتنان كبير لي، عينان كستنائيّتان أردت أن أشويهما بجمر قلبي. قالت:
- كريم، أنا كتير مبسوطة فيك ومعك، ميرسي كتير. وبليز إذا طلعت ع بيروت خليني التقيك.
ثم غمزَتْ بعينها وأردفت:
- راح كون مبسوطة فيك كمان ببيروت. شو باك؟!
 
كاد قلبي يخرج من شغافه، أردت أن أضمها، أن أمسك بيدها لنركض معًا إلى سهوب وبساتين، أن أذهب بها إلى الميماس حيث العاصي وقشقات أبو سمرة، أن نغنّي معًا، أن تأتي طيور السماء وتحوم حولنا... وانتفضت! زمور الباص جعلني أجفل، وصوت صديقتها من الشباك:
- شو باكي صبوحة؟ يلّا، منضل ناطرين لليل يعني؟! اطلعي وخلصينا.
نظرت صباح إلى صديقتها، فبانت رقبتها البيضاء! مساحة جميلة من مرمر كانت رقبتها، وسلسال ذهبي يتدلى منها عُلِّق فيه المسيح مصلوبًا. صافحتني وأنا أحملق في صدرها وأحسد المسيح الذي يرتاح هناك. قلت:
- بحبك، ووو يا ليتني كنت المسيح...
ابتسمت صباح بود، وبعينين لامعتين، رفعت يدها ملوّحة وقالت:
- بشوفك ببيروت.
صعدَتْ الباص وأنا واجم وصامت كصمت خوفو. وعدت أدراجي إلى بيتنا، أجرجر رجليّ، ومزيج من السعادة والحزن يتناوبان في صدري.

بدأَتْ معالم طرابلس تتبدّى أمامنا، وباص أبو سالم يدخل شوارعها. رفع أبوسالم صوته وهو ينظر إلى ركّابه من خلال المرآة:
- كل واحد يجهّز أغراضو، لا تنسوا شي بالماكينة.
كانت طرابلس هادئة، وحركة شوارعها ضعيفة، والمارة فيها قلائل. وقفت سيارتنا في الكاراج، نزل الركّاب منها ونزلت... وقفت لا أعرف أين أذهب! وقفت كيتيم غريب وجائع وبلا هدف! ذهب الركّاب كل إلى غايته ووقفت وحيدًا أنظر إلى الشوارع المتفرّعة ولا أعلم أيّها أختار لمسيري؟! ضربني أبوسالم على كتفي وسألني بصوت دافيء:
- ما بدّك تروح ع بيروت؟
قلت:
- إي عمو، بس ما بعرف من وين روح!
قال:
- خذ هذا الطريق، ثم التف على اليمين هناك بوسطات بتاخدك لبيروت. إن تهت اسأل عن نقليات الأحدب، تقريبًا كل ساعتين في بوسطة. الله معك، انتبه ع حالك من أولاد الحرام.
فجأة تحوّل أبو سليم إلى صديق طيب، أو إلى أب حقيقي. مدّ يده مصافحًا، وقال بجدية وصيّته لي:
- خليك رجَّال، مع السلامة.
خطوت خطوتين، عاد أبو سالم يربّت على كتفي ويده ممدودة، أعاد إليّ نصف ليرتي الأجرة، وقال:
- أنا لا آخذ أجرة من ولدي.
وأدار ظهره فجأة وغاب.
 
صعدت إلى باص نقليات الأحدب، وسريعًا تحرّكت البوسطة إلى بيروت... بيروت... يا بيروت...
 
(من كتابه حمص- حديث الذكريات)

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم