الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

المحالفة الثلاثيّة في المملكة الكُتُبِيَّة

المصدر: "النهار"
معضلة الكتب ودور النشر.
معضلة الكتب ودور النشر.
A+ A-
 
كتب باسم عون
 
في البدء لا بدّ من تحيَّة طيِّبةٍ من القلب لروح المفكّر والأديب فيلسوف الفريكة أمين الرّيحاني الذي أوحى إليَّ بهذا العنوان. وكما هو معروف فأمين الرِّيحاني صاحب "المحالفة الثلاثيّة في المملكة الحيوانيّة"، كتبها عام ١٩٠٣ وذلك في نقد الفكر الديّني، وهذا تمامًا ما فعله جورج أُرويل عام ١٩٤٤ في " مزرعة الحيوانات"، ولكن في النَّقد السّياسي.
ولَئِن انتهت المحالفة الثّلاثيَّة الرّيحانيّة بمرور قطار المدنيّة والترقّي فوق أجساد الحصان والبغل والحمار، فالخنازير في النِّهاية عند "أُرويل" تتشاجر بين بعضها حتى الاقتتال لِتَحالُفِ بعضها مع الانسان المتجسِّد في ذلك التّرقّي.
وإذا كانت محالفة الرِّيحاني قد أُحرِقت غبّ صدور طبعتها الأولى عَسى مقالتي المتواضعة هذه تُحرِقُ ما تبقّى من ضمائرَ عند أصحاب الحلِّ والرَّبط في المملكة الكُتُبيَّة وهم ثلاثة عناوين يُكَوِّنون مجتمعِين أركان هذه المملكة التي ما فتئِت تَمتَصُّ دماءَ الوالدِين غداةَ كل موسمٍ دراسِيٍّ جديد.
امّا تلك الأركان الرَّحيمة وبدون تَوْرِيَة -كما فعل الأديبان السالِفي الذِّكر- فهي تتوزع بحسب المسؤوليَّة الجُرميّة كما يلي: المدرسة، فدار النشر ثم المكتبة .
 
إنَّ ما دفع بهذه المقالة للخروج من سجنها داخل تجاويف الصدر الى العلن هو هذا المشهد المؤلم الذي تجلّى بالأمس على الرّصيف الحجريّ القذِر أمام واجهة إحدى المكتبات الكبرى؛ عشراتٌ بل مئاتٍ من الكتب المدرسيَّة مُلْقاة كيفما اتفق بانتظار عمّال النّظافة ريثما يدفنون في حاوياتهم هذه الجثث الفكريّة، وقد اصبحت من لزوم ما لا يلزم. وبرغم أن هذه الكتب ما تزال جديدة وقد وُسِمَ بعضها بطبعة ٢.١٧ تراها قد تزاحمت تحت بعضها البعض خجلى من نظرات المارّة أو تجنّبًا لِبعضِ شماتة.
 
ولا تكمن المشكلة هنا في مدى احترام الناس للكتاب، لا سيّما في هذا الشرق البائس، فهذا لعمري ما لم نعهده في "أُمَّةِ إِقرأ". إنّما تكمن المشكلة اليوم في أن ما يُراد التَّخلُّصُ منه ههنا يشكّل هدرًا للآلاف من الدولارات شاء المنتفعُ و"بشخطة قلم" أن يعلن الحكم بإعدامها. ولا بد من القول أن هذه الجريمة إنّما هي من تصميم هذه المملكة النفعيّة السعيدة الذّكر. أما الضحيّة فهي أولياء التلاميذ الذين يكافحون لإطعام أولادهم في هذا الزمن الرديء، وإذا بهم يَرَوْن ما عفَّروا الجبين لتأمينه من كتب مدرسيّة قد ذهب أدراج الرّياح.
 
فَيا أيّتها المدرسة "الرّائدة" ويا أيّتها الرَّئيسة الحَصيفة لا بد لنا من بضعة أسئلة في هذا الخصوص؛ لماذا هذا التغيير المستمر في اعتماد طبعات الكتب بحيث لا تختلف الطبعتان من الكتاب الواحد الّا بعدد صفحات توازي اصابع اليد الواحدة؟ وهل ثمة ضَيْرٌ إن استعمل الأخ الأصغر كتاب أخيه الأكبر مثلًا أو هو الـprestige الذي لا يسمح بذلك؟
 
وَيا حبّذا لو نعرف من هو هذا الدماغ الـ" آيْنشتايْنِيّ" الذي أقنعكم بجلب كتاب اللغة الفرنسيّة مباشرة من باريس بطبعة جديدة مجاراة للتقدم. هذا مع العلم بأن أكثرية الشعب الفرنسي لا تعرف من قواعد لغتها الـ"grammaire" اكثر مما يعرف سياسيّونا بالشفافيّة ونظافة الكفّ. مع التذكير بأن جُلّ من برع في هذه الرّبوع باللغة الفرنسيّة إنّما كان من خرّيجي مدرسة تحت السنديانة على يد الخوري فلان أو الراهب علتان، وذلك بمنهج واحد وكتاب وحيد قد اصفرّت أوراقه من جرّاء التداول. ولا نحسب أن من بين خرّيجيكم اليوم من يضاهي أولئك الخريجين لُغَةً أو يتقن تدبيج خطابٍ صغيرٍ بلغة فيكتور هيغو.
 
أمّا "سيبَوَيْهِكُم" لِللغة العربيّة فقد زَيَّن لكم - سدَّد الله خطاه-أن تكون اللغة العربيّة - وفي الصّف السادس مثلًا - موزّعةً على ستَّة كتبٍ بأجزائها المتعددة فلا يكاد الطالب يراها حتى يسقط في يده فيعلن الاستسلام قبل بدء المعركة. ولكن "سيبويه" هذا، لا مانع لديه من أن تُلقى كلمة التخرُّجِ من قِبل مسؤولين وأساتذة باللغةِ المحكيّة نكاية باللغة العربيّة الفصحى. هذا ولا تنفكون تتذمرون من التدنّي المستمرّ فمستوى لغتنا الأمّ.
 
أمّا دور النشر، وتلك المختصة تحديدًا بالكتاب المدرسيّ، فها هنا الطامة الكبرى. فإنّ دور النشر هذه لَجديرة بالنشر "على صنوبر بيروت" على طريقة جارتي المرحومة أم الياس، طيّب الله ثَراها. إذ كيف يُعقَل مثلًا أن "تتواطأ" هذه الدار أو تلك مع بعض مَن في المدرسة " الرائدة" على تسويق كتيّب هو عبارة عن قصصٍ صغيرة لا تتعدى صفحاتها الخمسين من القطع الصغير وبيعه من التلاميذ بعشرة ألاف ليرة بينما لا تتعدى كلفة الطباعة ألفين اثنين في احسن تقدير. ولك صديقي القارئ أن تضرب المبلغ بثمانين تلميذًا لكي تدرك مدى المصائب التي يستنزلونها كل يوم على كاهِل المواطن اللبناني.
 
ويبقى "المَكتَبْجي"، وهذا ما اصبح عليه بائع الكتب في بلدي بعكس ما هم عليه اصحاب هذه المهنة في بلاد الناس الواسعة إذ هم من نخبة المثقفين والمفكرين والقارئين دأبهم السعي الحثيث للنهوض ببلدانهم الى مراتب الرقيّ والرفاه... ولو قُيِّضَ لشكسبير أن يعاصِرَ صاحبَنا "المكتبجيّ" هذا، لما كان أسندَ دور تاجر البندقية الى "شَيْلوك" ذلك اليهوديّ الجشع الذي يتقاضى الرِّبا من اللحم الحيّ . نعم، فعندنا ههنا من يَبُزُّ "شَيْلوك" شكسبير بأشواط... وقد شهدتُ بأُمّ العين من المساومة بينه وبعض الأمّهات مِمَّن أتَيْنَ لِشراء الكتب لأولادهنَ ما يندى له الجبين، فذكرتُ بالخير أيام ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث كان ربّ العائلة يحمل كيسًا من العملة الورقيّة للحصول بثمنها على ربطة خبز واحدة. نعم فمقابل كيسٍ مُتخَمٍ بكتبِ السنة المنصرمة لم تحصل تلك الأم المنكودة الّا على كتابَين إثنَين ومُستعمَلَين أيضًا من لائحة كتبِ السَّنة الجديدة.
 
وعليهِ، فَهل من حلول مُرتجاة، وهل من خروج من هذه الحلقة المفرغة اللعينة؟
ونحن من بابِ الّلياقَة طبعًا ، نَرانا مُتَوجّهين - تقليديّاً -الى عتبات الصرح البطريركي، مناشدين غبطته للإِيعاز لمن يلزم ، أن يقوم بما يلزم، من أجل الرعيّة التي - كما يبدو- لم تعُد تلزَم .
 
أما الحلّ غير الطوباويّ، فهو في التماهي مع المثل القائل "ما حكَّ جلدكَ مثل ظفرك" ونراهُ بالاعتصام السلميّ في حرم المدرسة والمطالبة بعدم التغيير المزاجيّ في طبعات الكتب لديها. كما وبالإسراع الى العمل على إنشاء سوقٍ لتبادل الكتب المستعملة بين طلاب المدرسة غبّ انتهاء العام الدراسيّ، هذا وحسبنا الله ونعم الوكيل .

* جاء استعمال (كُتُبيَّة) في العنوان نسبةً الى الكُتُب عوضًا عن (كِتابيَّة) نسبة الى الكتاب المقدّس، وذلك منعًا لأي التباس.
الكلمات الدالة