الثلاثاء - 19 تشرين الأول 2021
بيروت 23 °

إعلان

"همسات عشق" لعبير عربيد: عبورٌ فوق المستحيل

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.
A+ A-
لم تترك عبير عربيد الأحلام الوردية منهكة بعد سنوات شقاء الوطن والأحباء، بل أيقظتها كفجر يبدد هلوسات الليالي الظالمة، فكانت ابتسامة فرح وصحو ضياء، فوق سطور روايتها "همسات عشق"، الصادرة حديثًا عن "دار كيوان" للطباعة والنشر والتوزيع. 
 
خالد وفاتن انهزما عاشقين على امتداد نصف العمر، لم ترتدع همساتهما تحت سماء التجّهم، ولم يكن لعشقهما هدنة فوق أرض الخوف والغياب القسري. فقد جعلتهما الكاتبة يحلّقان بأجنحة المستحيل، ناظرين إلى أوهام بعناق وشيك. 
 
ارتحلت القصّة في أزمنة شقاء لبنان، فارتسم عبورها الساحر الممتلئ بحنين الزمن الطائش في مخيلة القارئ، كالثلج فوق رمال الصحراء. 
 
حبكت عبير مقاطع قصّتها من محطّات الحرب الأهلية وحرب الآخرين على أرضنا، وكانت نهايتها ثورة السابع عشر من تشرين، وكأنها بداية جديدة لوطن حالم بماض عظيم.
داخل عروق السطور الفرحة بالبساطة، سكنت كل معاني السعادة، وفي سعادة لقاء الأحبة ارتقت الإنسانية بالبساطة التي صنعت جمال القصّة. فلم تتسوّل الكاتبة الحب من قلوب عامرة بالسراب، والعطاء من قلوب جائعة، بل وصفت الحبّ المنفي دمعة هادرة بصمت الجفون، حالمًا بنشوة الجمال المنشود لقاء معجزة.
 
 
كانت للفراشات أنشودة قصب، وارتعاش أعشاب، ولهفة ارتجلت بحرًا في عيون مراهقين على امتداد الأفق. إلى حين اغتراب خالد بعد هول الحروب والتفجير، ولم يرضخ لمقصلة النسيان في محطات حياة وبلاد غريبة رغم زواجه. أمّا فاتن فكانت حكاية بيضاء وهلوسات فوق رماد الوقت المستقطع من العمر، كالنهر الهارب الذي يغتسل من عري حصى الواقع الأليم. تتوق إلى حضور حبيبها البهيّ من الغياب معجزة أو خيالًا، مداعبة أسطورة رغبات ومستحيل، حتى الثمالة من كأس اليأس والحزن والجنون من زوج غير حبيب.
 
تناسلت الحكايات عن الوطن، وتسكّعت شغفًا بين الأقدار على سطور الكتاب. كتبت عبير عربيد قصّة حرب في بلد لم يرض بهزيمته طوعًا، ولم تنكسر عزيمة أحبة له وتذوب في واقعه القاهر. لم تدخلنا في غياب النسيان لاستيعاب كل هذا السراب والخراب، بل وضعتنا داخل حنين مبعثر شظايا انفجارات قذائف وأحلام.
 
من نذر الأقدار لملامح أمنيات بعناوين ثابتة، لم يغب عن عيونه اجتراح معجزة لقاء في زمن آخر مفقود، حيث تهادى الوطن على صفيح الألم كشاة في مسلخ. فقد كبر خالد الصبي المراهق في فسحة الغياب القسري، تاركًا على عتبة الدار المهدّمة دمعة تسقي رحيله الطويل. واستمرت فاتن تسقي المدن الغريبة والمرض والارتحال بعرقها الصالح ونجمها الوضّاح، إلى أن جمعهما القدر مجددًا على دروب مجبولة بالحبّ الموصول بحضور الماضي المشؤوم. وحصدا جنان الحلم في ربوع أزهرت مواسم فرح وطفلين أصبحت حياتها منذورة للعواصف في ساحة الثورة بين قدسية الثوار وعهر الساسة.
 
جعلتنا عبير عربيد نرافق الجو المشحون بقيم مهدورة وظلامية انتشار مفاسد سياسية في هذا الوطن اللبناني المبتلي. لكنّ الحبّ الموصوف في الكتاب جعلنا في نعمة التفكّر ومتعة العودة إلى البصيرة وفرح القلوب والنفوس، هاربين من منظومة الفساد التي كبّلت الوطن، وأدخلته دغلًا يفتقد إلى أدنى شروط العدل والإنصاف المستنير، فكان عنوان المقطع الأخير من القصة بعنوان "بداية النهاية" إشارة إلى ثورة بدأت ولن تنتهي ولو جار الدهر وساد الوباء، فطفلا خالد وفاتن استمرار لحلم وطن الأرز.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم