الأربعاء - 23 أيلول 2020
بيروت 26 °

ندى أبو فرحات "حبلى" ترشُّ السُّم وتُراقص الجمر حتى تتفجّر!

المصدر: " ا ف ب"
فاطمة عبدالله
ندى أبو فرحات "حبلى" ترشُّ السُّم وتُراقص الجمر حتى تتفجّر!
ندى أبو فرحات "حبلى" ترشُّ السُّم وتُراقص الجمر حتى تتفجّر!
A+ A-

الأضواء خافتة والمكان حميمي يُبيّن الخشبة أشبه بحضن رجل وفي. تصرخ #ندى_أبو_فرحات، أو تئنّ، لا من مخاض الولادة، بل من تعب العُمر. على خشبة #مترو_المدينة (الحمراء)، تتخذ أبو فرحات شكل المُستعدّة لوضع مولودها. لقطات من حفل زفافها تمرّ في شريط سريع أمامها على الشاشة، تتذكّر، تتحسّر، فتبوح بالسبب العميق للوجع. الأضواء خافتة، وثمة مَن يحمل بيده كأساً تهدّئ المزاج وتزجّ النفس في حالٍ لزجة. "حبلى "En Cinqجُرح مسرحي ضاحك، كتابة غبريال يمّين وإخراجه، ينكأ عذابات الروح، يفلفلها، يفقس الدمليات ويضحك كما لو أنّ الحياة قهقهة تعيسة.

\r\n

من خلال السرد، تضع كلير (أبو فرحات) نفسها أمام مرايا مكسّرة، فتواجه حيناً وتستسلم للهروب أحياناً. نقد اجتماعي ساخر، يفكّر بصوتٍ عال، يحركش في "المُحرّم"، يرقص على الجمر. الإشكاليات إياها: الضغط الاجتماعي، تأخُّر زواج المرأة، إنجاب الصبي، الأحلام والخيبة والانكسار، يعيد يمّين فلشها والتنكيت عليها. المسرحية قراءة أخرى للعبء الاجتماعي المُستهلك، مع رشّة سُمّ زائدة. سُمّ يهزّ الرأس ويفرّغه من الترسّب والبقايا، فيتجرّأ على الشكّ والنقد والرفض. هنا، الكليشيه يحارب ذاته بالكليشيه، فتُطرح القضايا بإطار متشابك، متشابه، مُتوقَّع، كأنّها "سلّة" أو "دفعة واحدة" تُصَبّ كلما تعلّق الأمر بالنساء المقهورات، والعنوسة والإلحاح والخوف والذاكرة والقلق، فتحضر على الخشبة مشهديات العرس "الإجباري" والـ"إي ويها" والـ"ليليليشششش" وهوس إنجاب الصبي والاهتراء وعُقم الرأس قبل عُقم الرحم.

\r\n

\r\n

 

\r\n

الضحكة المذنبة
تمرّ أمام كلير تشنّجات الحياة، منذ "البيت البيوت" وخجل الطفولة، إلى الزواج واليأس وأنبوب البويضات. المسرحية اختزالات أنثوية تتفجّر بعد اختناق، إطلاقُ صرخة بعد حَبْس الحنجرة، ملءُ الأرجاء بالأنّات والنفس بالانتفاض. لكنّ كلير في رحلة "التطهُّر" تتعثّر بالتناقض، من دون أن تُظهِر المسرحية إن كان التعثّر مصادفة مقصودة أو سوء انتباه؛ فنراها مختلفة، غريبة، موجوعة بضياع الوقت، لها فلسفتها حيال الارتباط والإنجاب، وفي آنٍ يورّطها النصّ بالتحفّظ على العلاقة الجنسية قبل الزواج، والخوف من مصالحة الجسد ومدّ اليدّ نحو أعضائه. تناقضات على هيئة صراع يقوّص الظهر ويرمي المرأة في شيخوخة الروح، فتظهر كلير بمزيج الضحكة والبكاء، مثل طير يغرّد ثم يرقص مذبوحاً من الألم. فجأة، يشعر الجمهور بذنب الاستمرار في الضحك، قاطعاً ابتسامات الوجوه، محوّلاً إياها أشكالاً مُجعّدة، عابسة، يمرُّ وقتٌ قبل التخلّص منها، وهي تجعّدات تطفو على وجه كلير، فتذرفها دموعاً من عيونها وغصّة من عمق القلب.

\r\n

\r\n

 

\r\n

"شكّة الدبوس" في تحوّلها "ساطوراً"
نصّ يمّين مشدود، مشهدياته جميلة، حساسيته مرهفة. إنّه من النصوص التي تجعلك ترى القديم جديداً من دون ضجر. أي أنّ تساؤلات من نوع "مَن قال إنّ الزواج مفروض على المرأة؟، ومَن يجزم أنّ الإنجاب ضرورة؟ ما هو "التابو"؟ ماذا لو كان جنس الجنين أنثى؟"، تصبح مُبرّرة. كل ذلك من خلال حَكّ الذاكرة وتعذيبها بالخيبة والفشل. الاستعادة تيمة درامية جاهزة على الرفّ، يتناولها يمّين ويقدّمها لأبو فرحات بثقة. امرأة تخاطب جنينها، تصارحه كما لم تبلغ يوماً المصارحة، تتنفّس عبره حياتها، وترجوه العيش من أجلها. الأصوات تتداخل، تتحوّل طنيناً مخيفاً: صوت أم متسلّطة، أب مهمَّش، مدرسة محافظة، رجل دين أخطأ العنوان، طبيب نفسي مُحبَط، صديقة هشّة، زوج "هولاكو" بَطَحَها على الفراش لتكتشف أنّ "شكّة الدبّوس" كذبة، والحقيقة هي "ساطور" بارد المشاعر، وجّعها، فتّت جسدها وتركها حزينة.

\r\n

\r\n

 

\r\n

الأسماء الثلاثة
الخلفية متوهّجة، ثلاثة أسماء يُمسكون اللعبة جيداً: زينب عساف، أسامة العلي، جويس أبو جودة. هم هلوسات كلير ومخاوفها وصنّاع آلامها. هم المجتمع بصورته المملّة، بأثمانه، بثرثراته، بكراهيته، وامتداد يديه إلى الأعناق وخنقها. الأداء التمثيلي المُتقَن، جعل خلفية المسرح (ضغوط، عائلة، واجبات، ذكورة، التزام) تمتدّ إليه كاملاً، فتتوغّل في النفوس حاجةٌ إلى الحرية، إلى النسيان، والانطلاق. نُغمض عيوننا. الظلمة تحوط المكان، وضوءٌ حول بطن أبو فرحات المنتفخ يجعل دمع الأيام رذاذاً يلفح ورودها الذابلة فيملأها عطراً.

\r\n

[email protected] 
Twitter: @abdallah_fatima

\r\n

 

الكلمات الدالة