الأحد - 27 أيلول 2020
بيروت 28 °

بين مواجهتي كورونا والنازية... كيف تختلف نماذج القيادة؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
بين مواجهتي كورونا والنازية... كيف تختلف نماذج القيادة؟
بين مواجهتي كورونا والنازية... كيف تختلف نماذج القيادة؟
A+ A-

"لا أدع يميني تعلم ما تفعله يساري"

حين بدأت مؤشّرات هزيمة الألمان تلوح في الأفق، اجتمع الزعيم السوفياتيّ جوزف ستالين ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل والرئيس الأميركيّ فرانكلين روزفلت في طهران (1942-1943) ويالطا (شباط 1945) لتحقيق هدفين: التنسيق للقضاء على النازية وإرساء نظام عالميّ جديد.

اللافت للنظر هو أنّ روزفلت كان ينظر بإيجابيّة إلى ستالين أكبر من الإيجابيّة التي نظر بها إلى تشرشل. اعتقد الرئيس الأميركيّ أنّه بالإمكان التعايش مع الاتّحاد السوفياتي عبر إنهاء النظام الاستعماريّ القديم الذي تمثّل بريطانيا أبرز وجوهه. ومع دعم حركات التحرّر الوطنيّ من النظام الاستعماريّ يكون الاتّحاد السوفياتيّ قد تخلّص من التهديد المفروض عليه من أوروبا الشرقيّة ممّا يقرّب موسكو أكثر إلى واشنطن، وفقاً لرؤية روزفلت.

تغيّرت الأوضاع في مؤتمر بوتسدام (تمّوز 1945) حيث وصل إلى البيت الأبيض نائب روزفلت، هاري ترومان. لم يكن روزفلت يطلع ترومان على تصوّراته لعالم ما بعد الحرب. كذلك، لم تكن العلاقة وثيقة بين الطرفين، حيث اعتاد روزفلت القول: "لا أدع أبداً يدي اليمنى تعلم ما تفعله اليسرى". ترومان، وعلى عكس سلفه، أبدى حذراً من السوفيات وتقرّب من تشرشل ثمّ لاحقاً من خلفه كليمنت أتلي.

حرب باردة جديدة بطابع مختلف

تبلور النظام الدوليّ الجديد آنذاك القائم على الكتلتين الشرقيّة بزعامة موسكو والغربيّة بقيادة واشنطن، وقد افتتح ذاك النظام حقبة طويلة من الحرب الباردة. اليوم، ثمّة حرب باردة أخرى بين واشنطن وبيجينغ، وقد عزّزها تفشّي كوفيد19. لكنّ آليّات الصراع مختلفة إلى حدّ كبير. بعد نهاية الحرب العالميّة، حوّلت الولايات المتّحدة 12 مليار دولار ضمن خطّة مارشال لإعادة إعمار أوروبا ومواجهة التهديد السوفياتيّ. يعادل ذلك بأرقام اليوم حوالي 130 مليار دولار.

على الأرجح، لن تتلقّى أوروبا اليوم دعماً مشابهاً لمواجهة كورونا. وتلكّأ الاتّحاد الأوروبّيّ نفسه في البداية أمام مساعدة دوله الأعضاء. وعلى مستوى العلاقات العابرة للأطلسيّ، ثمّة غياب في نظرة موحّدة إلى الدور الصينيّ. بدت أوروبا متقبّلة نسبيّاً للاستثمارات الصينيّة في دولها، بينما تخاطر لندن بعلاقتها مع واشنطن إذا سمحت لشركة "هواوي" بتطوير شبكة الجيل الخامس على أراضيها.

في النقاشات الداخليّة الدائرة حول هذا القرار، توقّع رئيس لجنة الدفاع في مجلس العموم البريطانيّ توبياس إلوود أن تقوم روسيا بمهاجمة شبكة الجيل الخامس خدمة لمصالح الصين، بعدما رأى أنّ كلتا الدولتين ستتقرّبان أكثر من بعضهما البعض. تُبيّن هذه الأفكار مدى غياب التجانس داخل بريطانيا نفسها كما بين أوثق حليفين غربيّين، لندن وواشنطن، في ظلّ الحرب الباردة الجديدة.


قيادة صينيّة بديلة؟

على الضفّة الأخرى من هذه الحرب، هنالك غياب لتكتّل واضح تقوده بيجينغ، بخلاف ما كان الأمر عليه مع موسكو أيّام الاتّحاد السوفياتيّ. على الرغم من الدعم الكبير الذي قدّمته الصين لدول أوروبّيّة وأفريقيّة وآسيويّة في مواجهة كورونا، أبدت حكومات عدّة امتعاضاً من السلوكيّات الصينيّة معها. برز ذلك، على سبيل المثال، عبر طلب سفراء الصين من تلك الدول إبداء شكر وإشادة بالقيادة الصينيّة، أو عبر استغلال ديونها من أجل وضع يدها على المرافق الحيويّة للدولة المديونة. ولم تقبل الصين بإعادة جدولة بعض الديون للدول الفقيرة كي تساعدها على مواجهة الجائحة، بعكس ما فعل الاتّحاد الأوروبيّ مثلاً.

ليست المسألة محصورة اليوم بمن سيفوز في عالم ما بعد كوفيد19، على أهمّيّتها، إنّما تمتدّ لتشمل انقسام العالم حتى حول كيفيّة مواجهة الجائحة. وهذا مشهد معاكس لاجتماعات طهران ويالطا وبوتسدام. حينها، علمت القوى المنتصرة أنّها لا تستطيع تقاسم العالم قبل الانتهاء من النازيّة والحرب، فعكفت على رسم المسارين بالتوازي. اليوم، تسعى القوّتين الكبيرتين إلى تزعّم عالم ما بعد كوفيد19 حتى قبل التباحث في كيفيّة القضاء عليه أوّلاً.

غياب السرديّة القيميّة

فارق آخر بين 1945 و 2020 وهو عدم وجود رغبة في قيادة أخلاقيّة للعالم. قدّم الاتّحاد السوفياتيّ نفسه بصورة منقذ الطبقة العمّاليّة من هيمنة أعلى شكل من أشكال الرأسماليّة. بينما قادت الولايات المتّحدة تكتّلها بصفتها ضامنة لحقوق الفرد وحرّياته وطموحاته. اليوم، تغيب السرديّة الأخلاقيّة أو القيميّة بالصورة التي تجسّدت بها خلال الحرب الباردة.

حتى في حال حسم الجدال حول مسؤوليّة الصين في مفاقمة "كورونا" أو مسؤوليّة الغرب في عدم الاستعداد جدّيّاً لمواجهته على الرغم من الوقت الذي أتيح له، يبدو الصراع مرتبطاً أساساً بتقاذف المسؤوليّة من ناحية وبضمان تفوّق سياسيّ يحجب التفوّق القيميّ من ناحية أخرى.

بعبارة أخرى، لم تتلكّأ موسكو أو واشنطن في ذلك الوقت عن تقديم شتّى المساعدات الماليّة والعسكريّة للدول المنخرطة في فلك تحالفاتهما. بينما في سنة 2020، ثمّة مسعى من واشنطن وبيجينغ لقيادة العالم لكن مع تهرّب نسبيّ من تولّي المسؤوليّات المرافقة لممارسة هذه القيادة كبناء وترسيخ الأحلاف وفتح خطوط طارئة للمساعدات.

لا تقتضي المسؤوليّات ممارسة السلطة "على الآخرين" بل "مع الآخرين"، وفقاً لمفهوم البروفسور الفخري والعميد السابق لكلّيّة كندي للحوكمة في جامعة هارفارد جوزف ناي. لهذا هو يرى أنّ الرئيسين الأميركيّ دونالد ترامب والصينيّ شي جينبينغ فشلا "فشلاً ذريعاً" في توفير القيادة الحقيقيّة وتقديم نفسيهما بصفتهما نموذجي تغيير لا مقايضة، على عكس ونستون تشيرشل أو نيلسون مانديلا. مع ذلك، يحتفظ ناي بأمل أن يكون ترامب قادراً على تغيير المسار والتفكير ب "مصلحة ذاتيّة مستنيرة طويلة المدى".


باب للتفاؤل

لا يمكن إنكار وجود سبب جزئيّ وراء هذه التوتّرات. لا يزال العالم مختلفاً اليوم حول من كانت له المساهمة الكبرى في دحر النازيّة: موسكو أم واشنطن. عدم القدرة على الاتّفاق حول جواب مرضٍ لكلا الطرفين بعد 75 عاماً على الحدث يقدّم شرحاً سريعاً عن السبب الذي يجعل القوى الكبيرة عاجزة عن تأطير مجابهتها للعدوّ العالميّ الجديد بالرغم من اختلاف سماته.

لكن على الأقلّ، هنالك كوّة للتفاؤل: على الرغم من القلق السائد حاليّاً إزاء مستقبل الاقتصاد بعد "كورونا" تبقى التحدّيات ضئيلة بالمقارنة مع تلك التي فرضتها الحرب العالميّة الثانية. لعلّ القوى الكبيرة التي عجزت عن التعاون خلال سيطرة "كورونا"، تستدرك نفسها وتجد منفذاً للتضامن الاقتصاديّ عندما يحين زمن معالجة تداعياته.

الكلمات الدالة