السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 25 °

الجيش الإلكتروني العصر الجديد للحرب الافتراضيّة

المصدر: النهار
مهدي سلمان الرسام - العراق
الجيش الإلكتروني العصر الجديد للحرب الافتراضيّة
الجيش الإلكتروني العصر الجديد للحرب الافتراضيّة
A+ A-

دفعت الحروب الإلكترونية الأخيرة إلى البحث عن نظام دفاعي سرّي لتقويم أجهزة الأمن والمخابرات والاستخبارات في أغلب بلدان الشرق الأوسط، ما دفع البعض إلى تكوين جيوش إلكترونية لصد الهجمات الافتراضية من الانترنت ونظام التشغيل والبرامج المختلفة التي تشكل تهديداً على الأمن والاقتصاد، ناجمة عن تدمير نظام الدفاع الالكتروني وسرقة الملفات من المنظومات الأمنية، وقد توالت أهمية هذا النظام من خلال تفاقم الحروب والتسقيط السياسي بل والإعلام الذي بدأ يأخذ منهجاً آخر في تعتيم الصورة الحقيقية للعدو، ما دفع بعض المنظمات الإرهابية إلى تأسيس جيوش إلكترونية هدفها ضرب المؤسسة العسكرية وتهديد الأمن.

لقد برزت تلك التحديات أخيراً من خلال تطور الثقافة الإلكترونية وصناعة التكنولوجيا خاصة بعد تنامي الصراع العربي الممتد من جنوب أفريقيا حتى أوروبا، مما يبرر تكوين جيل جديد من الحروب والصراعات النفسية المؤهلة للتدمير الذاتي بديلاً عن المعركة.

المنظومات الدفاعية البديلة

من المستبعد أن تكون التكنولوجيا والثورة الرقمية بديلاً عن مؤسسات الدفاع والاستخبارات كونها مجرد نظام افتراضي، لكنه في الوقت نفسه يكون وسيلة للدفاع والهجوم خاصة بوجود منظومات استخبارية وشبكات وطنية حساسة تكاد تكون مكشوفة أمام الجميع، ما يدعو إلى إحكام الخطط والتدريب على حماية المقرات الحساسة ومؤسسات منظومات الصواريخ وذخائر الأسلحة والأجهزة الرقمية المرتبطة بالحكومة كونها تكون مجالاً مؤهلاً للاختراق. ونجد مثالاً على ذلك وزارة الدفاع الروسية التي صرحت بداية 2017 عن إنشاء قوى دفاعية مضادة تابعة لوزارة الدفاع الروسية والتي تعتبر تحولاً عاماً وناجحاً في تغيير مسار الحرب من خلال تحديد الضربات بنسب عالية والتحليل الأرضي والبعد الافتراضي للحصول على نتائج مسبوقة وغير مدمرة دون اللجوء إلى استخدام الموارد البشرية والخسائر المادية. وهذا واضح من خلال مسلسل الفضائح وما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة في الحصول على وثائق وملفات سرية حكومية بسبب الاختراق الالكتروني والذي أصبح عبارة عن ميليشيات افتراضية أخيراً.

تنفيذ الهجمات المنظمة ونظام الاستخبارات

بدأت الحروب الإلكترونية منذ أواخر التسعينيات، وأخيراً تمت الاستعانة ببعض المخترقين (الهاكرز) لضرب الأفراد أو بعض السياسيين أو مواقع حكومية خدمية، انتقاماً للمعارضين أو لنهج سياسة الدولة التي غالباً ما تكون ذات نهج مغاير لما ترومه الشعوب وبسبب سياستها الخارجية التي تتعارض مع أبناء الداخل، أو ربما تكون بعض المنظمات الإرهابية التي تريد السيطرة على عصب المؤسسات الأمنية والاختراق من خلال بناء منظومة استخبارات خاصة بها متدربة على برامج التدمير والاختراق.

لقد امتهنت بعض المؤسسات الإجرامية هذه المهنة وأوجدت لنفسها عناصر من الشباب المنخرطين للحصول على الأموال وممارسة النشاطات في فضاء وحرية متلازمة على أرضية ووجهة تخدم مصالح البعض منهم، ناهيك عن استخدام الإعلام الكاذب وتشويه الصور والمبررات القتالية وأساليب الحرب النفسية.

إن نظام الاستخبارات والمخابرات والأمن الوطني بات يشكل أمراً مهماً وحصناً دفاعياً لأمن الدولة وخصوصاً أنه يعتمد على عناصره المتدربة والواعية التي تجيد استخدام التكنولوجيا ونظام المراقبة والعمل الاستخباري السري الذي يعتمد بالأساس على دقة المعلومات والأبعاد والتحليلات، ولا بد أن يكون رجال هذه المؤسسات ملمين بدورهم السيادي الذي لا يقبل الشك، وعليه لا بد من التأكيد على كيفية حماية الملفات الخاصة بأمن الدولة وأجهزة الداخلية والدفاع ومراكز التسلح ومنظومات الإطلاق التي تخزن على شكل بيانات دورية وموقوفات قابلة للتغير من خلال الشبكة العنكبوتية. كذلك مراقبة البريد الالكتروني وأسماء الشخصيات والسفارات والنشاطات الدبلوماسية التي تحركها على الأغلب الهواتف النقالة أو مراكز الشبكة العنكبوتية والتي هي بالأساس مصدر اختراق واضح المعالم مع وجود أنظمة فك الشفرات والرموز والثغرات غير المحسوبة.

وحدة قيادة التحكم وتعقب الهجمات

تُعتبر بريطانيا من الدول المهتمة لإعداد الجيوش الإلكترونية ونظام وحدة التحكم والتعقب، حيث قامت بتأسيس اللواء 77 الذي يعمل على صد الهجمات المعادية ومراقبة المواقع التي تدعو إلى الإرهاب، ما يتطلب المزيد من الحرص والأهمية والمتابعة، ويتطلب جهوداً ومؤهلات لإنجاح هذا المشروع الافتراضي الذي أثبت نجاحه على مدى السنوات التي تلت. وقد تعتبر الصين هي الأخرى مهمة أيضاً على نطاق سري غير معلن في تكوين وإنشاء محطات رصد ومراقبة من خلال تأسيس وحدات عسكرية خاصة هدفها شن الهجمات الإلكترونية وسرقة الأسرار العسكرية للدول المعادية أو التي تحاول تفكيك رموز التنين الصيني.

إننا في الوقت الذي نراهن على نجاح هذا التطور التقني والتكنولوجي، إلا أن هناك بعض الدول ما زالت تفتقر إلى تلك الحكمة ولا تهتم بهذا الأمر الذي لا تأبه له بسبب جهل أنظمتها التي تعتمد على النظام العسكري القديم أو التدريبات لعناصر الاستخبارات وإيجاد المعلومات ميدانياً، إذ تعتبرها مصدراً موثوقاً به وذا أهمية قصوى، وهي غير متفاعلة لمواكبة التطور العلمي الذي أصبح يعمل على غطاء جوي وفضاء ممغنط يمسك بكل زمام الحكومات من خلال تسريب المعلومات والأنظمة الدفاعية المجردة من الحماية والقبة المحصنة، ربما بسبب انشغالها ببيع النفط والدولار والأسهم أو الانخراط خلف المتظاهرين والمؤيدين للربيع العربي وبعض النشطاء البسطاء الذي ينشدون الحرية وهم لا يدركون أن الحرب النفسية هي التي باتت تحكم السلاطين وتعبث بأمم الدول.

ولا بد من الانتباه إلى أن الهجمات الإلكترونية قد تشكل مصدر خطر لا يستهان به، وهي على عدة أنواع، منها الفيروسات التي تعتبر مثالاً للأسلحة الحالية من خلال إصابة برامج البيانات وأنظمة التشغيل وإعطابها بشكل دوري بواسطة الثغرات المبينة. وكذلك نظام الاختراق وبرامج التدمير عبر وسائل الهواتف الذكية أو أنظمة التشغيل المعتمدة قانوياً لدى مؤسسات الاستخبارات، وهو يشكل تهديداً كبيراً على سحب الملفات خلال دقائق.

مواكبة التكنولوجيا وأجهزة الاستخبارات

لقد ظهرت تجربة جديدة خلال السنوات التي خلت تشير إلى أهمية حماية أنظمة الاستخبارات ومؤسسات المخابرات والأمن الداخلي، حيث بدأت الهجمات الافتراضية تلعب دوراً مهماً وفعالاً في إقصاء وتدمير سجلات الحكومة والعقود والمستندات المهمة، بل وحتى اختراق معلومات وبيانات المواطن، وبما أن المواطن العربي أصبح ملمّاً بالفضاء والحرية والتعبير عن الرأي في مجالات واسعة، فهذا لا يعني سلب الحريات وانتهاك الخصوصية، بل إن أغلب المجموعات الارهاربية اتخذت من هذا الغطاء سبيلاً لتنفيذ عملياتها الإجرامية والحضّ عبر وسائل الإعلام والتقنيات المختلفة لجلب الشباب وتعليمهم فن الحرب البديل وإعطائهم دروساً عبر الانترنت مجانية لتعلم الاختراق وتدمير المواقع والتجسس بوسائل تقليدية.

إذاً، على الحكومات ومدراء المؤسسات الحكومية الحساسة زج عناصرها في وحدات تدريب على المعدات الإلكترونية وأنظمة الحماية ودروس في نظام المراقبة، والنظر بجدية لخطر هذه الحرب التي أصبحت تجربة تقودها دول عظمى للسيطرة على مقدرات الدول التي تجهل هذه التقنية الفريدة التي تعتمد على مواجهة العقل والتطور والصناعة بدلاً من تجنيد العناصر وتجنب الاشتباك وإهدار الوقت والخسائر المادية والبشرية. علينا أن نعي أن الجيوش القادمة الحديثة هي الجيوش الإلكترونية التي تتيح بناء السيطرة والنفوذ من خلال التحكم عن بعد.



الكلمات الدالة