الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 28 °

روائيّ وشاعرة ومسرحيّة ورسّامة، كيف يمضون أوقاتهم خلف الأبواب المُغلقة؟

المصدر: "النهار"
فاطمة عبدالله
Bookmark
روائيّ وشاعرة ومسرحيّة ورسّامة، كيف يمضون أوقاتهم خلف الأبواب المُغلقة؟
روائيّ وشاعرة ومسرحيّة ورسّامة، كيف يمضون أوقاتهم خلف الأبواب المُغلقة؟
A+ A-

أربعة في عالم العذابات الإنسانية وجمالياتها: الرواية، الشعر، المسرح، والرسم؛ هم اليوم خلف الجدران. كورونا سيّد العزلة، شقلب أحوال الأرض وأحالها على الاستراحة. ماذا يفعلون؟ كيف يهادنون الوقت في الحَجر؟ وأي أسئلة طُرِحت؟ المدينة فارغة، تترك في الروائي شريف مجدلاني كآبة، فيعود إلى جدران المنزل ليشعر بعزلة أقل. ماذا عن علاقة البشرية بتاريخها وحاضرها ومستقبلها ومسار الأحداث الكبرى؟ الشاعرة ندى الحاج أيضاً، في ورطة الأسئلة. تعزل نفسها في الغالب طبيعياً، تلبية لرغبة عميقة في الإصغاء لنداء داخليّ تتبعه بوعي مَن يسير على خيط رهيف، إنما الأمر يختلف اليوم. برجاء، تتحدّث الممثلة والمسرحية رلى حماده عن مراجعة العلاقات وحاجة الطبيعة إلى الصمت. تفكّر بالمسافات الفاصلة وباستراحة العالم و"بأسئلة كثيرة لا إجابات لها". الرسامة التشكيلية غريتا نوفل تفتقد الوجوه والعيون: "الأقنعة جعلتنا لا نعرف أنفسنا في المرايا. الموسيقى دعاء إلى الحرية، بها أنتقل إلى عالم آخر أقل مرارة".

شريف مجدلاني: المصير خارج القبضة

تطرَّق إلى العزلة في أدبه، وفي الكتابات المقبلة ستكون حاضرة. شريف مجدلاني ممن تربطهم بالجدران داخل المنزل علاقة ودّ. "أكتب على الشرفة، من حظّي أنّ مكتبي المنزليّ مطلّ على حديقة بديعة ومبنى قديم للجامعة اللبنانية، خلفه قنطرة". الأيام، إذاً، لم تختلف كثيراً، إلا لجهة شغب الأولاد في المنزل. للعزلة تعريف آخر، يشعر بها صاحب "فيلا النساء" حين يخرج. من عاداته التنزّه بالبيسكلات وتمكين العلاقة مع المدينة. بنبضها. حيويّتها. والتفاصيل. في حيّ بفرن الشباك، يراقب الحدّاد والنجار والكندرجي، ويدفعه الفضول الكتابي إلى الإصغاء لأحاديث المارّة. يتبدّل المَشهد فجأة، وتتلاشى بعض العادات كالغبار. المدينة اليوم جامدة، "فأشعر بالألم". يستفزّ الفراغ المخيّلة الأدبية، ويوحي بأفكار لكتابات مقبلة، لكنّه يغمس الروح بأحزان طويلة. "أعود إلى البيت لأشعر أنّني أقل عزلة. تلحّ عليّ اشكاليات حول علاقة البشرية بتاريخها وحاضرها ومستقبلها، ومسار الأحداث الكبرى وإمكانات الإنسان الكونيّ وقدرته على الإمساك بمصيره. يُفلت مصيرنا البشريّ تماماً من قبضتنا، فتُفاجئنا الأحداث ونخفق في التعامل معها، برغم عنجهية الإنسان وإحساسه بالسيطرة. كابوس من نوع كورونا يُكبّل الإنسانية، ويضعها أمام واقع ثابت: نسير من دون وُجهة. مصيرنا خارج السيطرة".

ندى الحاج: المركب واحد في وجه الطوفان

ليست العزلة طارئة على ندى الحاج، ابنة أنسي وعذوبته. ماذا اختلف؟ "العزلة اليوم قسرية، الجو متوتّر، البال مشتَّت". تحاول، قدر الإمكان، تحصين النفس من التأثير السلبي المشحون من كلّ صوب. تُفلت من أسره بالقراءة والكتابة والموسيقى والمشي في الطبيعة والتصوير والصلاة. "أنا شخص تأمّلي ولم يتغيّر أسلوب حياتي بشكل كبير، عدا اشتياقي لأفراد عائلتي وحضنهم"، تقول صاحبة "عابر الدهشة"، ديوانها الصادر أخيراً. "ما يهمني اليوم هو إيقاف مسلسل الموت عبر اكتشاف دواء للفيروس، هذا إن لم يكن مكتَشفاً من قبل، وبصرف النظر إن كان الفيروس مختَرعاً أم لا. ربما هو زمن عتيق تلفظه البشرية والأرض، كطوفان ينقلب على الجشع والقهر والظلم، والكوكب لم يعد يَحتمل. لا بدّ أن ينجلي النور من هذا الظلام الخانق". تُكمل كأنها تتأمّل أو تُرتّل أو تُفكّر بقصيدة: "إذا اعتبرنا أنّ القانون الكونيّ يتعامل بميزان الفعل وردّ الفعل، فلا عجب من كلّ ما يجري. تبقى الشوكة الأليمة التي يبتلعها الأبرياء والضعفاء في خضمّ استفحال الوضع. البشرية جمعاء في مركب واحد في وجه الطوفان. وكما لكلّ زمن روحه، فلكلّ عهد رجاؤه". الختام: "أؤمن بإنسانية جديدة مبلسِمة تنبثق من هذا المخاض الأليم، وبروحانية تمدُّ آفاقها للآخر والعناصر الكونية أبعد من مقاييس مادية نفعية ومحدودة، حجَرَت الإنسان وحجَّرته بعيداً من تحقيق ذاته العميقة بكل أمدائها".

رلى حماده: مراجعة العلاقات

تملأ الوقت بالقراءة والأعمال المنزلية مع "شوية طبخ" وموسيقى. "لديّ ما أفعله"، تقول رلى حماده. كشريف مجدلاني وندى الحاج، تطرح العزلة القسرية عليها أسئلة: "نفكّر بما لم نكن نفكّر به. نفكّر بالمسافات الفاصلة. وباستراحة العالم. كم هو جميل أن تتنفّس الأرض. العزلة بمثابة موسيقى تُرخي أعصاب العالم وتُهدِّئ من روعه". لم تترك لها (ولنا) الحياة السريعة فسحة لمراجعة قصص تختبئ في الذاكرة، واستعادة علاقات ربما لم تعد موجودة اليوم، ولحظات مرّت، لكنّها علّمت في مشوار الحياة. شيءٌ مثل التنهيدة يتقاطع مع آهاتِ ما فات، فتتحدّث عن ذبذبات كونية تُساعد على التخطّي، منها التأمّل والصلاة. مرعبة فكرة الخوف الجماعيّ وهو يلفّ العالم ويضعه أمام استحقاق تاريخيّ يمسّ الوجود. "كيف يمكن جرثومة صغيرة أن تغيّر وجه الأرض؟ أن تمحي بشراً؟ كيف نخرج من المأزق؟ وهل ستعود البشرية وتواجه مرّة أخرى هذه الحرب الجرثومية؟ أسئلة كثيرة ولا إجابات".

غريتا نوفل: صور لا تعرف الخوف

التقيناها مرّة في "النهار"، تحدّثنا عن الرسم والجاز. غريتا نوفل، ما حالها اليوم بين الجدران؟ تجيب بأنّها من الذين ينظرون بكثرة في وجوه الناس وعيونهم البرّاقة: "فجأة اختنفت الوجوه والعيون، وصار التواصل عبر الانترنت. الوجه للوجه، انفقد. وتراءى الناس كأرواح تائهة. أحدٌ لا ينظر إلى أحد". حزينةٌ نبرة امرأة لطالما داعبت السنوات كطفل يخشى الاقتراب. فماذا فعلت؟ "لجأتُ الى الصور المُتراكمة على هاتفي لأرسم عائلتي وأحبائي. صور لا تعرف الخوف، ولا ترتدي القناع الواقي الذي ارتديه كلّما خرجتُ من منزلي، والذي لم أتعرّف من خلاله إلى نفسي في المرآة. وعدتُ إلى مجموعتي الموسيقية الشرقية والغربية، لأستمع الى الجاز الشرقيّ وأتمعن بمَن لعبوا آلة العود وأدخلوها الى أعمالهم. هذه الموسيقى دعاء إلى الحرية، فتنقلني إلى عالم آخر أقل مرارة. فالعالم اليوم يتغيّر جذرياً، وعلينا مواكبته بتغيير أنفسنا أيضاً".

اقرأ أيضاً: الوباء في الأدب... خمسة روائيين يتحدّثون لـ"النهار" عن فظاعة كورونا

[email protected]

Twitter: @abdallah_fatima

الكلمات الدالة