الأربعاء - 23 أيلول 2020
بيروت 26 °

محمد الزعبي يتحدث لـ"النهار"... عكّاز والتزام، طرابلس تتخطى ذاتها في رجل (فيديو)

المصدر: " ا ف ب"
جودي الأسمر
محمد الزعبي يتحدث لـ"النهار"... عكّاز والتزام، طرابلس تتخطى ذاتها في رجل (فيديو)
محمد الزعبي يتحدث لـ"النهار"... عكّاز والتزام، طرابلس تتخطى ذاتها في رجل (فيديو)
A+ A-

الأعين لا تزال محدّقة بـ #طرابلس، المدينة الّتي تحتفظ بطليعيّتها في ثورة لبنان، حيث يتكثف الحضور العددي في خوض الثورة، والابداع النوعي في التعبير عنها. في صباحٍ سجّل أسبوعًا على انطلاق التظاهرات، الأعين تفتّحت أكثر، بإعجاب عظيم وتعجّب، أمام صورة الشاب الطّرابلسيّ "محمد الزعبي" الّذي ظهر برجله اليسرى المبتورة، يستبدلها بعكّاز، تعطي هامته المنحنية قليلًا مؤشرات الكدّ والجدّ، في انشغاله بكنس أرض "ساحة النور" بعدما غسلتها بالامطار، ينظّفها من مخلّفات ليل أمس.

الصّورة الّتي التقطها المصوّر طه عكاري، بعد ثوانٍ من نشرها، جرى تداولها بين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة قياسية "التهمت" اهتمامهم كالنّار في الهشيم. الشّاب الّذي بقي مجهول الاسم في السّاعات الأولى، ساعدت هويّته المجهولة على تكريس رمزيّة صورته، فحوّلتها لما يحاذي المعنى المجرّد، والعامّ. معنى سرعان ما تبنّاه الرّأي العام وأسقطه على طرابلس، المدينة الأمّ لهذا الشّاب الّذي قدّم بلقطة واحدة التّشخيص الأكثر بلاغة لمدينته: طرابلس، فقرها وإهمالها المزمنان اللّذان بترا حظوظها في مقوّمات حدّ أدنى لمدينة، تنتفض بالرغم هذه الامكانات المحدودة، وغالبًا بسببها. جُملٌ مثل "أنتَ طرابلس"، "أوف شو بتشبه طرابلس"، "هذا الشاب، كم يشبه طرابلس"، "طرابلس أثبتت أنّها الأولى"، وغيرها من التعليقات التي عَنوَنت الصّورة، جعلت هذه الأخيرة "التراند" الطرابلسي الاقوى للثورة.\r\n

وفيما بقي الثّائر على نفسه وعلى النظام مجهول الاسم، أطلق عبر انستاغرام الطبيب "رائد لطوف" من بيروت رسالة يسأل عنه، ليكفل له تركيب طرف اصطناعي "إذا هيدا الشاب الطيب حابب وبيقبل وبيسمحلي إتكفل بتركيب طرف إصطناعي مع تأهيل كامل أنا مستعد قوم بهيدا الواجب".

[[embed source=vod id=7836 url=https://www.annahar.com/]]

خلال محاولة تعقّبنا أثر "محمّد الزعبي"، يقول معتصمون يلازمون السّاحة بأنّه يأتي باكرًا لينظّف مع المتطوّعين، والبعض الآخر يراه يبيع قهوة في عربة متنقّلة، لكنّه لا يسعى الى تناقل اسمه للشهرة وكسب الاضواء. يعمل بصمت. والصورة التي التقطت له كانت بمحض صدفة، حسب المصوّر.

روتين الثورة: من ساحة النور الى "سبينيس"

ووصلت "النهار" لمحمّد الزّعبي البالغ من العمر 42 عامًا، لنفهم بأنّه يقوم بالمهمّتين معًا في الثورة، التنظيف وبيع القهوة، تضافان الى عمله الثّالث في قسم الخضار في "سبينس" طرابلس منذ 16 عامًا، بعدما حصّل شهادة بكالوريا فنّيّة في المحاسبة. يقوم في "سبينيس" بنقل البضائع وتعتيلها، لا يعيقه طرف مبتور ولا حركة محدودة بسبب الرّجل الّتي فقدها حين لم يتجاوز عمره السنتين في حادث سير، فاقم تداعياته خطأ طبيّ أدّى الى بترها "بسبب ضعف الطّبابة، تطوّر الجرح الى غرغرينا أدّت الى قطع رجلي".\r\n

في أيّام الثّورة، يغادر محمّد بيته في "أبي سمراء" باكرًا جدًّا، ليبدأ نهاره منذ الرّابعة صباحًا. يدخل ساحة النّور، فيقوم بمساعدة عمّال "لافاجيت" والمتطوّعين في كنس الأرض، ثمّ يدعم المعتصمين لبدء نشاطهم بفنجان قهوة، يساعده في كسب رزقه "كي لا أحتاج الناس"، حسب قوله. "لدي باص قهوة اكسبرس أسترزق منه لأعيل فتياتي الأربع"، تتراوح أعمارهنّ بين التاسعة وال15 عامًا. في ساحة الثورة، تنقضي جولة كفاحه الاولى خلال نهار طويل، قبل انتقاله الى "سبينس"، حيث يبدأ عمله عند العاشرة صباحًا ويستمرّ حتى الّليل. لا يرتاح محمّد سوى ثماني ساعات يوميًّا.\r\n

ثائر لأجل لقمة العيش وقوانين لذوي الحاجات

تأتي أولوية الحراك حسب محمد الزعبي في محفّزه الاقتصادي، "انطلقنا في الحراك لنصل الى لقمة عيشنا. متفائل بالثقة المتبادلة بين الناس المحتجين، وبفضلها ستتحقق مطالب كثيرة". ثم ينتقل محمّد من المعاناة العامّة الى أخرى خاصّة تمسّه كما شريحة كبيرة من أقرانه من ذوي الاحتياجات الخاصة، يطالب بتشريعات تدعم حقوقهم "نحن نحتاج الى قوانين جديدة مساندة لنا، كالتي تطبق في جميع دول العالم. من بينها كيف نساعد المقعدين وذوي الاحتياجات الخاصة ليتنقلوا مثل أي شخص لا يعاني إعاقة جسدية، نحن أناس نطالب بأن يعطوا روحًا لحياتنا." ويضيف "مقعدون كثر أعرفهم يخجلون من الخروج من بيوتهم لأنّ الطرقات لا تساعدهم على التنقل، ولا يريدون أن يضايقوا الناس في طلب المساعدة. يعتبرونه ذلًا". ولأنّه يؤمن بأنّ "ذوي الاحتياجات الخاصّة من هؤلاء النّاس، لذلك أتطوّع كلّ يوم لأثبت بأنّنا أشخاص أقوياء، لدينا صلابة، ولا ننحني للظروف".\r\n

محمّد الّذي تفرض ظروفه الصحية والاجتماعية تحديات تضاف الى تحديّات كلّ مواطن لبنانيّ، ينشط في معترك العمل والتّطوّع بنبض قويّ يتفوّق على السّائد من النّاس "في هذا البلد، لا نستطيع أن نعتاش بأقلّ من مهنتين، وهذا ما أفعل. أريد أن أربّي عيلتي من عرق الجبين". هذا الجبين، الّذي يندى بالعصاميّة والمثابرة، مرابض في السّوق والسّاحات، لا ينحني، هكذا يقول. يردّد أمامنا ويكرّرها: "الله يديم الصّحة علينا".\r\n

صورة محمّد الزّعبي، ظهرت في ذروة ظهور طرابلس في ثنائيّة المعاناة/التمرّد القسوى، الّتي جعلت هذه المدينة القطب الوازن للثورة. محمّد الزعبيّ حوّل هذا القطب الطرابلسيّ الى رمز.

الكلمات الدالة