عِبْرتان لمَن يتّعظ قبل أن تنكسر الجرّة

5 تموز 2019 | 15:19

المصدر: "النهار"

المحرقة اللبنانية (منصور الهبر).

حادثتان - عِبْرتان، بيئيّة وسياسيّة، لفتتا انتباهي خلال الثماني والأربعين ساعةً الأخيرة.

الحادثة الأولى، أنّ مجلس بلديّة بيروت مُنِي بهزيمةٍ ليست نكراء (أكرّر: هزيمة ليست نكراء)، عندما اضطرّ في اجتماعه الأخير إلى تأجيل بتّ دفتر الشروط الخاصّ بمحرقة النفايات التي كان يُعِدّ لإمرارها، لا لتكون حلًّا لمشكلة الزبالة، بل لتكون مصيرًا لبيروت وأهاليها.

حصل التأجيل على وقع حدثَين؛ واحد من داخل المجلس البلديّ، حين لم يتمكّن هذا المجلس من الخروج بقرارٍ موحّد في شأن دفتر الشروط، وثانٍ من خارج المجلس البلديّ، على وقع الضغوط الديموقراطيّة المتراكمة والمتواصلة للحيّز الشعبيّ والمجتمعيّ والمدنيّ العامّ، ممهورةً بتحذيرات الخبراء والاختصاصيين من مغبّة إقرار مثل هذا المشروع المشؤوم.

الحادثة الثانية، تمثّلتْ في ترويج تسجيلٍ صوتيّ لوزير الخارجيّة يتضمّن تقريعًا شعبويًّا لرئيس مجلس النوّاب، كما تمثّلت في البيان الذي صدر عن مكتب الوزير، وفيه ما يأتي: "في إطار حملة التشويش والتحريض المكشوفة تعمد جهاتٌ معروفة إلى إعادة نشر كلامٍ قديم مضى عليه الزمن للوزير جبران باسيل وتضخّه بكثافة عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ بهدف زرع التفرقة وشحن النفوس ولئلك ندعو وسائل الإعلام والرأي العام إلى أخذ العلم".

من المعيب أنْ يعمد أيٌّ كان إلى ترويج مثل هذا الشريط أو غيره، خدمةً لأغراضٍ سياسويّة ذات طابع شعبويّ. لا يجوز أنْ تتحوّل السياسة إلى "الضرب من تحت الزنّار"، كما هو معمّمٌ حاليًّا في ممارسة الطبقة السياسيّة للعمل الوطنيّ والسياسيّ. عيب، أن يُنحدَر بلبنان، دولة وناسًا، إلى هذا القعر الانحطاطيّ.

حسنًا فعل مكتب الوزير في نشر هذا التوضيح، لأن لا الوزير ولا غيره يستطيع أنْ يحمل مثل هذا الوزْر مرّةً ثانية. فقد جرّب سابقًا، فجاءه جوابٌ مماثلٌ لتصرّفه، في الديماغوجيا السياسيّة، وفي الميليشيويّة الشعبويّة والحزبويّة والطائفيّة الوقحة التي تنتهك حرمة الدولة وهيبتها، ولا تحترم أعراضًا ولا كرامات.

أكثر ما أتمنّاه، كـ"مواطن"، أنْ يطبّق الجميع، جميع الأطراف، الحدّ الأدنى في ممارسة الأخلاقيّات السياسيّة.

وليكن البيان التوضيحيّ الصادر عن مكتب وزير الخارجيّة، مناسبةً له ولـ"تيّاره"، ولجميع الأطراف، فيُكَفّ مرّةً واحدةً، وإلى الأبد، عن ممارسة الشعبويّة الخرقاء، وعن تعميم سياسة نبش القبور، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، مرورًا بالسهل والجبل والمناطق الوسطى، فضلًا عن المدن والقرى والدساكر التي تُزار، وليس من خطابٍ فيها سوى خطب التحريض، والاستفزاز، وإثارة النعرات والأحقاد، ومخض لبن الثارات ومشاعر العنصريّة البغيضة.

"أيّها الطبيب، طبِّبْ نفسك". عسى أنْ يتحسّس كلّ الذين يشعرون بوجود مسلّة تحت آباطهم، ليتّعظوا، حين لا يزال ينفع الاتّعاظ.

وإذا كانت عِبرة "الصفعة" التي تلقّاها المجلس البلدي في بيروت بيئيّة الدلالة، فينبغي ألّا يستخفّنّ أحدٌ بهذه العبرة.

وإذا كانت عبرة البيان التوضيحيّ الصادر عن مكتب وزير الخارجيّة تنطوي على رسالةٍ متعدّدة الاتجاهات، فيجب أن يعرف الجميع، جميع الأطراف، ومن ضمنهم طرف الوزير و"تيّاره"، أنّ الجرّة إذا سلمت مرّةً (تَشَعّرتْ للغاية قبل أسبوع)، وإنْ على ضيم، فلن تسلم في كلّ مرّة.

فليؤخذ المقال هذا، في شقّيه، البيئيّ والسياسيّ، كعِبْرة، لئلًا نصل إلى زمنٍ، تُكتَب فيه، لا المقالات بل المصائر، بعد أن تنكسر الجرار، حيث لا ينفع ندمٌ، ولا تَدَارُك خطأ!

Akl.awit@annahar.com.lb

فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard