ما الذي يصعّب على بوتين نقل قواعد اللعبة السوريّة إلى فنزويلا؟

18 حزيران 2019 | 10:36

المصدر: "النهار"

بوتين (أ ب).

كما في سوريا، كذلك في فنزويلا. لدى الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين الكثير ممّا يظهره وممّا يضمره بالنسبة إلى خططه في البلدين اللذين مزّقتهما الصراعات الداخليّة ولو بنسب متفاوتة. في هذا السياق، يحاول محلّلون استنتاج أهداف بوتين ومعرفة ما إذا كانت "قواعد اللعبة" التي يطبّقها في سوريا مشابهة لتلك التي يستخدمها في فنزويلا. نظريّاً، يتّفق هؤلاء على أنّ هذه القواعد متشابهة فعلاً. فنفوذه الوازن في دمشق وفي كاراكاس يعطيه مكاسب لبلاده على مستوى الثمار الاقتصاديّة لكن الأهمّ أيضاً على مستوى المواجهة الاستراتيجيّة مع الأميركيّين. أمّا ما يختلف عليه المحلّلون فهو مدى نجاحه في تطبيق واتّباع القواعد نفسها.  

خطر

شحنت روسيا أسلحة إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بقيمة المليارات من الدولارات عبر خطّ ائتمانيّ. كذلك، نقلت تقارير مختلفة أنّ قاذفتين روسيّتين استراتيجيّتين من طراز "سو-160" توجّهتا إلى فنزويلا في أكثر من مناسبة منذ كانون الأوّل الماضي وحتى الأسابيع الأخيرة. وفي الفترة نفسها، شاركت القوّات الجوّيّة الروسيّة في مناورات مشتركة مع تلك الفنزويليّة.

يشرح المحلّل في الشؤون الدفاعيّة والكاتب في صحيفة "نوفويا غازيتا" الدكتور بافل فلغنهاور أنّ هذه القاذفات تستطيع حمل صواريخ "كروز" خ-101/خ-102 ذات المدى البالغ 5500 كيلومتر ويمكن أن تحمل رؤوساً متفجّرة بزنة تصل إلى 1000 طنّ. وأضاف في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "جايمس تاون فاوندايشن" أنّ صواريخ كروز خ-101 جُرّبت على أهداف داخل سوريا كما أنّه يمكن تحميل خ-102 رؤوساً نوويّة. هذه المديات الطويلة تمكّن روسيا من تشكيل خطر حقيقيّ على الولايات المتّحدة انطلاقاً من فنزويلا.

أمّنت سوريا لبوتين نفوذاً متزايداً على شرق المتوسّط، الأمر الذي سهّل على موسكو تأمين تواصل ديبلوماسيّ بارز مع عدد من دول وحكومات المنطقة. المكاسب الديبلوماسيّة في فنزويلا غير واضحة المعالم بعد. لكن بالمقابل، ضمنت الدولتان قوّة لروسيا من أجل مواجهة الولايات المتّحدة. في سوريا، كان النفوذ الروسيّ الذي تعزّزه منظومة أس-400 "حربة" في الخاصرة الجنوبيّة الشرقيّة لحلف شمال الأطلسيّ "ناتو". وأمّنت إدارة بوتين للنزاع حول سوريا قاعدة سياسيّة خلقت شرخاً بين تركيا والحلف. والثمار الاقتصاديّة الروسيّة الناتجة عن الانخراط في الحرب السوريّة غير خافية على المراقبين.

ماذا كسبت روسيا؟

في صحيفة "ذا هيل" الأميركيّة، عدّد الباحث في "مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيّات" أندرو غابل تلك الثمار ذاكراً أنّ روسيا تسيطر على مصنع الأسمدة الوحيد في سوريا وعلى كلّ من القطاعين العسكريّ والتجاريّ في ميناء طرطوس. وحصلت على حقّ الوصول إلى احتياطات الغاز الروسيّة في حمص، ومن المرتقب أن تحصل على معظم حقوق استخراج ثروات مناجم الفوسفات السوريّة. وأشار أيضاً إلى أنّ روسيا أرسلت مقاتلين من بينهم متعاقدون مع شركة "فاغنر"، وقد شارك بعض مقاتليها في الحرب السوريّة أيضاً. وسيضمّ ميناء طرطوس سفناً حربيّة روسيّة بما فيها قطع وغوّاصات عاملة على الطاقة النوويّة. وأضاف أنّه بإمكان موسكو "سحب ترسانة من السياسات ذات المخاطر الدنيا والعائدات المرتفعة" في فنزويلا التي تضمّ الموارد الطبيعيّة والاحتياطات العليا من النفط الخام، وإمكانيّة توسيع القوّة العسكريّة الروسيّة عبر مطاراتها وموانئها.

ما حقّقه بوتين في سوريا يمكن أن يحقّق أكثر منه في فنزويلا على مستوى المواجهة الاستراتيجيّة مع الولايات المتّحدة. فعلى عكس سوريا، تعتبر فنزويلا "حديقة خلفيّة" للولايات المتّحدة وهي تقع في الشطر الغربيّ من الكوكب وهو مصطلح يُستخدم للدلالة إلى المدى الحيويّ الذي تمارس فيه واشنطن تأثيرها ونفوذها المباشرين.

وما تصنعه روسيا في ذلك الشطر يشكّل تهديداً جدّيّاً لنفوذ واشنطن الذي اهتمّت بالحفاظ على مصالحها القوميّة فيه، بوجه القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر ثمّ الاتّحاد السوفياتيّ في القرن العشرين. وسبق للاتّحاد أن مارس نفوذه في أميركا اللاتينيّة فدعم حكومات في دول مثل نيكاراغوا وتشيلي. واليوم، ليست روسيا بعيدة عن استعادة أو تأدية جزء من هذا الدور. لكنّ ذلك لا يتمّ من دون مواجهة صعوبات، وفقاً لرأي البعض.


حدود النجاح

في وقت يُستشفّ من مقال غابل منذ أسبوع أنّ روسيا على وشك النجاح بتحقيق أهدافها في تلك المنطقة، رأى الكاتب السياسيّ في شبكة "بلومبيرغ" إيلاي لايك أنّ نقل التجربة السوريّة إلى فنزويلا لن يكون أمراً متاحاً. فمنذ حوالي شهر، نقل عن مسؤول أميركيّ يعمل على حلّ الأزمة قوله إنّ القوّات الروسيّة التي أرسلت إلى هناك كانت لحماية مواطنين روس غير عسكريّين وللقيام بصيانة أنظمة دفاعيّة فنزويليّة صمّمتها روسيا، كانت قد تعطّلت بسبب تضرّر الشبكة الكهربائيّة. حتى الدعم السياسيّ لمادورو لن يكون مستداماً بحسب لايك، لأنّ فنزويلا تدين بالمليارات للروس وأيضاً للصينيّين ولا أمل في قدرة كاراكاس على الدفع طالما أنّ العقوبات الأميركيّة ستظلّ مفروضة على شركة النفط التي تملكها الدولة، بما يجعل دعمهما لمادورو مكلفاً.

في السياق السياسيّ، ثمّة تساؤلات عن المدى الذي ستذهب إليه روسيا في دعم مادورو وعمّا إذا كان نفوذها في فنزويلا غاية بحدّ ذاته أم ورقة تفاوضيّة للحوار مع واشنطن حول ملفّات أخرى في أوروبا وعلى رأسها أوكرانيا.

أمّا في السياق الاقتصاديّ، فيتطابق تحليل لايك مع تقارير تشير إلى أنّ الاستثمارات الصينيّة نفسها تراجعت في السنوات القليلة الماضية في فنزويلا بسبب عدم قدرة الأخيرة على الوفاء بالتزاماتها، حيث تعدّ كاراكاس المَدين الأوّل لبيجينغ في أميركا اللاتينيّة. ومع بلوغ ديون فنزويلا للصين أكثر من 20 مليار دولار وديونها لروسيا أكثر من 3 مليارات، قد يصعب فعلاً على موسكو مواصلة دعم مادورو بموازاة توقّع ازدياد صعوبة كاراكاس في ردّ الديون. حتى انخراط بوتين في النزاع السوريّ اصطدم بمراوحة منهكة في الحلّ السياسيّ وإعادة الإعمار. لذلك، إنّ نقل التجربة السوريّة إلى فنزويلا يتطلّب فعلاً حسابات روسيّة بالغة الدقّة.

كيف نحضر صلصات مكسيكية شهية للـNachos بخطوات سهلة؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard