"وادي الغيوم" لعلي نسر: الأسئلة الصاخبة

15 حزيران 2019 | 10:00

الغلاف.

قرأت رواية وادي الغيوم لعلي نسر، وأنا أعرف مسبقاً خلفيته الثقافية والمعرفية، فوجدت أنه يتحرّى الصدق منسجمًا مع نفسه، الى حد انني شعرت بأن بعض أبطال الرواية على صلة وثيقة بي. في الرواية صرخة مدوّية وخلخلة للمفاهيم الراكدة وتحريض على التفكير لابتداع مقاربات وتخريجات جديدة تنسجم مع الواقع المعاش الذي أصبح الدليل العلمي فيه سيد الموقف. لفتني نسر في اعتماده على تعدّد الرواة داخل النص، والذي جاء كالحفر والتنزيل بالنسبة للموضوع، حيث أنه شائكٌ جدليٌّ وخلافيّ، فلا يصحّ أن يُطرح من زاوية واحدة، وإنْ حاول أن يُفرد مساحة أكبر لمن يتبنى طروحاتهم الفكرية غير المتحجّرة، محاولا فتح كوّة عند الدينيين للخروج إلى فضاءات ترفع من دينهم وتخفف من الإسقاطات العُرفية التي أُلصِقَت بالدين دون مسوّغٍ نصيّ. لا شك في أنّ من يقرأ الرواية يفهم أنّ الراوي قد جعل له هدفاً مهماً مقصوداً بعينه من روايته، أقله حضّ الناس على كسر التابوات القديمة وإعادة طرح الأسئلة في وجه المسلّمات والثوابت أو استخراج وتوليد المفاهيم الجديدة منها، بالاستناد إلى جوهرها الإنساني والاخلاقي الذي يمثّل هيولى أغلب الديانات على هذا الكوكب.

الكاتب.

موضوعات عدة طرحتها هذه الرواية، وبجرأة لافتة في ما خصّ مجتمع المقاومة وحماية ظهرها اجتماعيا هذه المرة، وليس أمنياً، والاخطاء المرتكبة لها وعليها والتي قد يكون نسر أول من تجرّأ كواحد من بيئة المقاومة على إدراجها في كتاب ليناقشها الناس. بالاضافة إلى محاولة تنقيبٍ عن حقٍّ لعله أصبح مهدورًا لحركات مقاومة سابقة بهدف إعادتها إلى رفوف الذاكرة على الأقل، وأيضا القضية الفلسطينية التي حضرت بلعبة فنيّة خفيفة رشيقة وناجحة من خلال رواية أخرى داخل الرواية للإضاءة على الاخفاقات والعثرات التي لا يجب أن تحرف البوصلة.

قد لا أتفق مع الكاتب في بعض مجريات الأمور، خصوصًا لجهة سرعة استعادة العلاقة إلى سابق عهدها بين يوسف ومرام، إلا أنّه لا يمكنني أن أُنكر إمكان ذلك في ظل الضغوط التي عانتها في عيشة ضنكة مع زوجها الغائب عن انسانيته. كما شعرت بأنّ عدم ملاحظة ابن الرابعة من العمر غياب أخته وعدم سؤاله عنها وهو المثقف -في ما بعد- النبيه الغارق في الضياع والوحدة والباحث عن نفسه، لم يكن مقنعًا كفاية. وان استغرابه أنّ له أختاً اسمها صباح من دون أن يستذكرها على الاقل، جاء ضعيفا.

قد يأخذ البعض على هذه الرواية أنها تخاطب شريحة معيّنة من القرّاء، الامر الذي قد يضعها تحت مبضع النقد، علما أنني لا أجد ضيرا في ذلك، بدليل أن القراءة شحيحة حتى في صفوف المثقفين، فهل نكتب لمن لا يقرأ ونترك الذين ما زالوا أوفياء للكتاب؟

لا شك أنّ هذه الرواية تحمل في طياتها أسئلة صاخبة قد تجعل البعض يضعون أصابعم في آذانهم وعقولهم خوفًا منها، خصوصًا تلك التي تفترض إعادة تأويلٍ للنصّ القرآنيّ، في ما خص نوح ولوط والاطفال وغيرهم ممن أتت الرواية على ذكرهم أو لم تأتِ، علمًا أنه لا مفرَّ من ذلك وانه حاصلٌ لا محالة وقد بدَت مؤشراته تلوح في الأفق.

اللعبة الأهم في هذه الرواية، والتي شكّلت عنصر الصدم أو الدهشة بطريقة سلسة وحبكة أقل ما يقال فيها حبكة معلم، هي أن المرأة الوحيدة التي صدّها يوسف ورفض الانصياع لرغبتها والتي جاءت مسكوتا عنها في الرواية، يفاجئ الراوي بأنها زوجة صديقه الأغلى والاحب على قلبه، ثم يترك لك الباب مواربا على طرح أسئلة كثيرة. هل كان يعلم صالح بذلك؟ هل كان يشكّ؟ هل نطق يوسف باسمها حين كان مخموراً، لكنّ صالح آثر أن يخفي معرفته بذلك؟ ثم ما هذه الرسالة التي أراد أن يوصلها الراوي من خلال هذا الحدث وجعله القطبة الأساس في الحبكة؟ وأين أصبحت مرام؟ هل سافرت حقاً؟ هل انكشف أمرها أمام ابنتها؟ وأسئلة كثيرة غيرها.

الراوي أراد لروايته "وادي الغيوم" أن تبدأ بعد أن ينتهي القارئ منها بكل ما فيها من موضوعات وإشكاليات، وهذا ما حصل فعلاً، فانا الآن أحاول إكمال الرواية.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard