ساحلٌ جاوَرَ الآكام

9 حزيران 2019 | 14:00

جونيه (تعبيرية).

سقى الله أيّام زمان؛ إنّها خزانة الذكريات، كلّما فتحتها فاحت في أرجاء النفس رائحة مضمّخة بعبيرِ الحنين. والذكريات جزء من كيان، هي الأنا العائدة إلى الماضي، المستحضرة الأحداث من وراء غبار السنين، وما يميّزها عن التأريخ الجاف أنّ فيها نبضًا من حياة.

وفي كتابه "منطلق تاريخ جونيه المعاصر – تاريخ ساحل علما الحديث" كان الأستاذ جوزف مسيحي موغلاً في التذكّر، ولو اكتسى بحلّة التاريخ وعزّز الأقوال بالشواهدِ وثائقَ ومستندات. رسم صورًا، نقل مشاهد، فتح الأنظار على دروب العجلات ودروب الحافر ودروب الإجر، والأدراج، ودرب النبع، ودرب السما، والمدرج الطبيعي، وحقل السمك المتحجّر قرب دير مار جريس.

سلّط الضوء على العائلات - وبلدته ساحل علما أقدم تجمّع سكني في منطقة جونيه - أعطى الأعلام حقّهم، ولم ينسَ الوافدين. قاده الشوق إلى سياسات جدّه " وستّه " الصحّية والاقتصادية، وقصّة جدّه المختار حبيب برهوش وثياب الشغل والقنباز؛ إلى الأحاديث، وما كان فيها من تقييم وقيَم، إلى الحرفية في التطعيم والتشحيل، وتحضيرات الأعياد، وما يلازمها من تحضّرٍ روحيّ لاستقبالها، وترقّبات الطقس، وانتظار عصفور العابور، إلى هموم الضيعة قبيل مواسم الحرير وماء الزهر، وموسم المشمش الّذي أصابه البوار، وانقضى معه زمن جميل، كان فيه الناس يستدينون على المشمش، فيوفون الدين بعد قطاف الموسم؛ وتراني أُطمئن أستاذي، فقد خبرنا ذوق زوجته قبل أن تتفنّن في صناعة شراب المشمش.

ولا تقف رفوف خزائن الذكريات عند حدّ، بل ترى اليد تمتدّ إلى عناقيد الفن والجمال، فتقطف ذكرى انتخاب ابنة البلدة، ليلى ساروفيم، أولى ملكات الجمال في لبنان عام 1952، وتستعرض بواكير الشعر العامّي والزجل. ويتابع المشوار عبر الزمن فيعرّج على مدارس البلدة وجمعيّاتها وأخويّاتها، من الفرقة الفنية، إلى تعاونية المؤاساة بالوفاة، ونادي السلام الرياضي، والهيئة النسائية الخيرية، والندوة الاجتماعية، والحركة الكشفية. وكنيسة مار نوهرا وقصّة مذبحيها، والتخلّص من امتيازات الإقطاعيّين.

لم ترقه اتّهاماتٌ تطلق في غير محلّها، فانبرى يدفع تهمة البخل بقصّتي "اللحاق بالدبّور إلى الرصيف"، "وبيطرة الديك"، ويضع حدًّا للمفاهيم المغلوطة عن " الغريب"، فإذا بالمقصود الغرباء عن المنطقة الّذين كانوا يسعون إلى نشر الفكر البروتستانتي بين الناس، وكان أمرًا مستهجنًا، في حينه، وسط بيئة مذهبية معروفة، جعل المطران يوحنّا الحاج، البطريرك لاحقًا، يحذّر من تمادي هؤلاء. وتبديدًا للّغط السائد، أورد واقعة بناء كنيسة مار يوسف في سوق جونيه، بسعي من النائب البطريركي المطران يوسف نجيم للتجّار الغرباء الّذين يأتون إلى المرفأ لاستيراد البضائع وتصديرها، وكان الأمر يستغرق أيّامًا، ولم تشيَّد مدافن قربها، ممّا يعزّز تبرير فكرة إنشائها، خدمةً لهؤلاء.

أمّا المياه فتكاد تكون قضيّة القضايا في ساحل علما، ولعلّ مردّ ذلك إلى أنّ هذه الأخيرة كانت ثالث مورد اقتصادي في كسروان والمتن، أيّام كانت الزراعة ذهب المواسم. وأهمّيتها جعلتها مضرب الأمثال، وموضوع تندّر الشعراء، والشغل الشاغل، فينشأ لأجلها نظام خاص معروف بنظام توزيع مياه الري، يُدار بعمل مؤسّساتي، وينظّم توزيع العدادين والدقة في التوقيت والتطبيق، بشكل لافت، يحدّد حتى بالدقائق(خمسة عشر ساعة وثلث)، ويتجنّد له كلّ أفراد العائلة. وتتأسّس جمعيّة "نبع رأس الماء"؛ لا بل أكثر من ذلك، فالأمر يستدعي توسّط الأمير بشير الشهابي الكبير، بواسطة مندوبه الشيخ بشير قاسم جنبلاط لحلّ الخلاف بشأن " خصلة دير بقلوش "، والالتزام بميثاق مكتوب لردّ ايّ تعدٍّ على المياه ، واستصدار حرم كنسي من راعي الأبرشية بحق كلّ من يقوم بعمل يؤدّي إلى الضرر بالماء أو تعكيرها، وإفسادها. فلو كان الأمر في هذه الأيّام لوجب استحداث دائرة خاصّة تتولّى تنظيمه بالنظر لكثرة مستحقّيه.

أمّا حساب الجُمَّل فقصّته قصّة، وهو الّذي يحدّد تاريخ الحدث، من خلال جمع القيمة العدديّة للأحرف الأبجديّة الواردة في البيت الشعري الأخير، بعد عبارة " أرّخ " ومشتقّاتها. ولأنّ على الإنسان أن يحاول، وبعدَها يُعذَر، يبقى المأمول أن أكون قد وُفّقت في تحديد تاريخ صدور هذا الكتاب، وفق حساب الجُمَّل، من خلال البيتين التاليين:

فانٍ هو العُمرُ، والآمالُ أحــلامُ إنْ لم تَكـــدَّ وتتعَــبْ تبــقَ أَوهــامـــا،

حقَّقتَها المُنيَه إذ أرَّختَها جاهِدًا، "أرْشَفتَ"، لِلعُمرِ، أَحداثًا وأَعلاما.

وترانا نفرغ من قراءة الكتاب غير خائفين على حبس الزمان والمكان بين دفّتيه؟ فأعجوبة الكتابة أنّها تحرّر، وتجعل الأوراق تنطق، وتحدّث بالتاريخ والجمال، وها هي معك، يا أستاذي الكبير، تجعل "الساحل" يجاور الآكام.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard