19 عاماً على التحرير، وما زال أبناء القرى ينتظرون تحرير الإنسان

25 نوار 2019 | 10:12

المصدر: "النهار"

جندي اسرائيلي عند الحدود الجنوبية (أ ف ب).

19 عاماً على تحرير الجنوب، 19 عاماً منذ عاد جزء كبير من أرض #الجنوب إلى حضن الوطن... 25 أيار 2000، تاريخٌ نُقش بالدم، قالِباً المعادلات الإقليمية والدولية حينها، مرسّخاً مقولة "العين تقاوم المخرز".

أكثر من 1200 كلم2 بقيت لعقود تحت الاحتلال، قبل أن يعلِن فجر الخامس والعشرين من أيار بزوغ شمس الحرية، وتنطلق معها قوافل من المواطنين المشتاقين إلى قراهم وأهلهم داخل ما كان يعرف بـ"الشريط الحدودي".

أيام #التحرير انطلقت في 21 أيار 2000 من بلدة الغندورية باتجاه القنطرة حيث دخل اللبنانيون عبر مسيرة ضمّت المئات، يتقدمها عضوا كتلة الوفاء للمقاومة النائبان عبد الله قصير ونزيه منصور. يتحدث منصور لـ"النهار" عن تلك المرحلة وكيف كانت قرية القنطرة شبه خالية من السكان، حيث تجمّع الأهالي أمام حاجز للكتيبة الفنلندية في قوات الطوارئ الدولية التي حاولت منعهم من فتح البوابة التي تؤدي إلى وادي الحجير، الطريق الضرورية للعودة إلى القنطرة.

يتذكّر منصور كيف رفع الجندي الفنلندي السلاح في وجهه في محاولةٍ منه لمنعه من الدخول، "لكن ما إن وضعتُ يدي على البوابة حتى انضمّ إليّ الشباب، فتحناها عنوة ودخلنا راكضين". من القنطرة إلى القصير فعلمان وديرسريان، وصولاً إلى الطيبة. وبإسهاب يتحدث منصور عن مراحل العبور بين القرى الجنوبية سيراً على الأقدام، "الفرحة أنستنا المسافات التي قطعناها، حتى وصلنا في اليوم الثاني إلى بلدة العديسة، وقام العملاء بتسليم أنفسهم للأهالي، قبل أن يردني اتصال عن وفاة والدي، فاضطررت للعودة إلى بيروت، وفي اليوم التالي قمنا بدفن الجثمان في قريته لتكون أول جنازة تدخل من خارج الأراضي المحتلة وتُدفن فجر يوم التحرير".

يَعتبر منصور أن 25 أيار هو يوم الولادة الثانية لكل أبناء تلك القرى، خصوصاً لمن فقدَ أحد أبنائه في معركة التحرير الطويلة، مؤكداً أن يوم التحرير لم يأخذ حقه في الأجندة اللبنانية، ولم يُعطَ أبناء القرى حقهم، فالهجرة في ارتفاع، والفساد إلى تزايد، ما يُجبر أبناء الشريط الحدودي إلى النزوح إلى العاصمة بحثاً عن فرص عمل أفضل.

الأزمة الاقتصادية دفعت بأبناء تلك المناطق إلى الهجرة خارج البلاد، منهم من فضّل الهرب عبر البحر إلى القارة العجوز. عائلات بأكملها لم يهجّرها الاحتلال فهجّرها العبء الاقتصادي. يستذكر بعضهم تلك المرحلة واصفاً إياها بـ"الحلم" الذي لن يتكرر، ولكن ذاك الحلم تحوّل إلى كابوس بعد سنوات، خصوصاً بعد حرب تموز والدمار الذي لحق بالقرى الحدودية، فهي المرة الأولى التي قُصفت فيها قراهم منذ عقود. ولكن فرحة التحرير، بحسب أحمد خليل، "ستبقى راسخة في عقولنا لسنوات طويلة، إنما لقمة العيش والبحث عن كرامةٍ دفعتنا للهجرة خارج البلاد".

وبالعودة إلى أيام التحرير، لا بد من التوقف عند عذابات الأسرى، ومنهم أنور ياسين الذي أمضى حوالي 17 عاماً في السجون الاسرائيلية. يؤكد ياسين أن "الشعور لا يمكن أن يوصف، فالخبر جاءنا ونحن في سجن نفحة، شعرنا بأجسادنا تطير خلف حدود السجن، وتنطلق إلى أرض الجنوب المحرر، تمنيت لو أمكنني أن أشارك تلك الفرحة مع المقاومين والأهل والاصدقاء".

الغصّة لدى ياسين نفسها: "للأسف، لم تكتمل الفرحة، فالنظام الطائفي يعزز الطائفية على الروح الوطنية، فكل طائفة تتقوقع على ذاتها، ما يفتح الباب أمام الفاسدين. الأرض تحررت ولكن ما زال المواطن معتقلاً وتحت احتلال من نوع آخر".

بدوره، يتحدث الدكتور منذر جابر عن فرحة التحرير، وكيف تحولت أرضٌ محتلة إلى أرضٍ مصدراً للعزة والكرامة، "ولكن للأسف تُرك الأهالي لمصيرهم كما باقي أبناء الوطن، فالهجرة ارتفعت والعلاقات الاجتماعية انخفضت"، مطالباً القيادات الجنوبية بإعادة الاعتبار لهذا اليوم، فـ"الاحتلال الخارجي قد اندحر بفضل الدماء بينما الاحتلال الداخلي أصعب وأشدّ وطأة على قلوب الناس"، كاشفاً أن "عدد المتعلمين انخفض نتيجة الهجرة وتراجع المدارس والبنى التحتية، كما أن الخدمات المقدمة للأهالي لا يمكن أن تدفعهم إلى الصمود في قراهم".

التخلص من "الاحتلال الداخلي" تشاركه إياه الأسيرة المحررة سهى بشارة، التي حاولت في العام 1988 اغتيال قائد جيش لبنان الجنوبي انطوان لحد، الموالي لإسرائيل، فقد تمنّت في حديث سابق مع "النهار" "أن يُستكمل التحرير بوطن يحترم مواطنيه، وتسوده العدالة الاجتماعية والمساواة، والأهمّ التعامل مع المواطن كإنسان، إضافة إلى حرية التفكير، وهي قضايا يجب التوقف عندها في ذكرى التحرير. فنحن خُلقنا للفرح والعيش لا للموت، فالحلم بعد التحرير هو بناء الوطن".

معاناة الأهالي في تلك القرى تقابلها الأوجاع نفسها في المناطق الريفية الأخرى من لبنان. هو القهر نفسه والوجع من تناسي الدولة لمسؤولياتها تجاه أبنائها، حتى أن العديد من تلك القرى لم تجرِ فيها انتخابات بلدية بينما حُلَّ بعضها الآخر لأسباب سياسية.

19 عاماً على التحرير، تحريرٌ تزين بصور شهداء من الأحزاب والتيارات الوطنية كافة، وُضعت صورهم داخل القرى، وعلى امتداد شوارعها. تستوقفك صور هؤلاء الشباب الذين حلموا بوطن يتحرر فيه الإنسان من رجس الاحتلال، فقد حرّرت دماؤهم الأرض من الاحتلال ليبقى الحلم بعد التحرير ببناء وطن يحترم فيه سياسيوه شبابه وأحلامهم المشروعة.



فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard