استيقظوا...

2 نوار 2019 | 10:08

المصدر: النهار

استيقظوا...

قال نيتشه، الفيلسوف الملحد، حكمة للمسيحيين: "أروني أنّكم أحياء، فأؤمن بإلهكم". لو كنّا حقًّا نعيش مسيحيين لما احتاج نيتشه لقول هذا الكلام، بل لكان آمن تلقائيًّا. المسيح قام ... حقًا قام، وأقامنا معه.

كي نعلم كيف نكون أحياء علينا أن نعلم لمَ وكيف يرانا نيتشه أمواتاً. كاللغة، فاللغة الميتة لا تستعمل إلّا في الكتب، أي لا تُعاش، فهي لا تُتداول بين الناس ولا من يذكرها حتى. لغة ميتة، لغة نعيش على أمجادها، نتغنّى بها، نتأمل معانيها، إلا أننا ننساها وتضمحل مع مرور الأيام. نتعامل معها كمن له جدٌّ مشهور وقد شاخ، يفتخر به وبانتمائه إليه، وهو لا يزوره ولا يحاول إنعاشه، ينتظر موته ليتقبّل التعازي.

للأسف، فقدنا الكثير من حياتنا، لم تعد فينا الغيرة الأولى على إيماننا -"لي عليك أنّك تركت محبّتك الأولى" (رؤ:2-4) - بل أصبحت مسيحيتنا أغلب الأحيان قصةً في كتاب وتعاليمَ ونظريات فلسفية. أصبحنا ننتمي إلى الدين كما ننتمي إلى الحزب. ورثنا انتماءنا إليه من آباء جاهدوا قبلنا دفاعًا عنه وتربّينا به، نسينا أن ننتمي إلى إيمان ندافع عنه، فأصبحت مسيحيتنا مجرد هوية اعتدناها.

نكون أحياء عندما نفعم بالأمل وعندما نحيا إيماننا، أي عندما نسمح لله أن يحيا بنا. يا نيتشه يمكنك أن تؤمن بإلهنا فهو حيّ يبعث الحياة، إلا أن من قابلتهم لم يسمحوا له أن يحيا بهم. لنكون أحياء علينا أن نلبس الحيّ، وقد لبسناه في معموديتنا إلا أننا نفقد هذه النعمة بخيارنا. علينا أن نكون صورة له على الأرض، أن نقتدي به. لذلك لنا الإنجيل بكل تعاليمه، ولنا الكنيسة أُمًّا لتربيتنا، فتدبّر حياتنا وترشدنا إليه لنسير على طريق الحق والحياة. المسيح علّة وجودنا، علة الصالحات، وما يخرج عن الصلاح ليس منه. تأتي البشارة بالأعمال وحياة الإيمان ومن ثم بالكلام. من خلال أعمالنا يرى الناس أننا أحياء فيعرفوا أننا أحياء أبناء الله الحيّ. علينا أوّلًا بالمحبة حتى لأعدائنا، فنحن كلنا أبناء الله وكل خلق الله له حقُّ بالاحترام، فاحترام الله يبدأ باحترام خلائقه. ثانيًا علينا بالإيمان والمحافظة عليه قويمًا لنتمكّن أخيرًا من القول مع الرسول "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (2 تيمو 7:4) وأن نُبقي ثقتنا ثابتة بالله مخلصنا الرحوم. تجدر الإشارة هنا إلى أن محبتنا للخاطئ لا تعني محبتنا للخطيئة، وأن محبتنا للآخر لا تعني أن نتغير ليتقبّلنا، وحكمًا لا تعني أن نفرّط بأي قاعدة من قواعد إيماننا متحجّجين بالمحبة، فعلينا أن نتعلم من الله الرحمة والعدل، الرحمة لا تنسى الحق، الله رحوم محب وهو أيضًا عادل، والعدل هو التكلم بالحق.

كم من المسيحيين اليوم يهتم لإيمانه وللدفاع عنه قبل كل شيء ورغم كل شيء. الحي هو من لديه شيء مستعد أن يدافع عنه حتى النهاية وصولًا إلى الموت، موت الشهادة للحق. مسيحنا هو الحق وهو من بذل نفسه لأجلنا، لنحيا نحن به. الميت هو من لا يبالي بشيء، وليس عنده ما يتعلق به إلّا الملذات الأرضية، فيا نيتشه عليّ بالتنويه أنّ الموت عن هذه الملذات حياةٌ، فويل لمن لا ينمو إلّا بالقامة ناسيًا النعمة. ميت أيضًا من قبل العقائد الإلهية دون أن يحياها، دون أن يناقشها وينشرها بفعل محبته لينير العالم، ميت هو من يترك إيمانه في الكتب. لا أنفي وجود مسيحيين أحياء بل أعرض مشكلة نسبة كبيرة تموت، نسيت أن المسيح قام. عندما يبدأ الشر والفساد بالتفشي في مجتمعاتنا أي عندما يبدأ الموت بالسيادة نكون في الخطيئة غارقين، فالخطيئة موت ولا تُغلَب إلّا بأفعال الخير والنعمة، وطالما الورم مستمر نكون مستسلمين للموت. عندما نكون أحياء، عندما نحيا بالمسيح، لن يتجرأ المرض على الاستقرار فينا.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard