13 نيسان ذكرى وعبرة

15 نيسان 2019 | 15:38

ساحة بحمدون عام 1983 (النهار).

بعيداً من الدخول في أسباب حرب الخمسة عشر عاماً التي تأجّجت نارها في 13 نيسان 1975، ونتائجها المدمّرة على لبنان دولة ومواطنين، فإن اللبنانيين مدعوون إلى التبصّر مجدداً بما يمكن أن يحصّن وجودهم السلمي في الحاضر والمستقبل، ويحمي عيشهم الواحد، ويصون كيانهم وكينونتهم، ويدفع بوطنهم إلى الازدهار على كل صعيد، ويثبّتهم في أرضهم، ويرسّخ فيهم ولاءهم الوطني، ويعمّق مشاعرهم بالانتماء إلى دولة راقية يحكمها القانون والعدل في ظل السيادة والحرية والاستقلال التي ترعاها المؤسسات المدنية الكاملة المواصفات.

ولعل في طليعة العبر التي نجمت من تلك الحرب التي لم نتّفق يوماً على تسميتها ولا تسمية من خاضها على جبهة من الجبهات، أن لبنان لا ينضج إلا إذا أدركنا وبلا مواربة جملة حقائق أهمها:

1. خطر تكاثر غير اللبنانيين على أرضنا أياً كانوا ومن حيثما أتوا ولأي غاية هم هنا. فإن مساحة الأرض لا تتسع لهم، والبنى التحتية لا تستطيع خدمتهم، والاقتصاد الوطني لا يتحمّل أعباءهم، والنسيج الاجتماعي لا ينسجم معهم. وخبرتنا في هذا التكاثر على مدى قرن تقريباً كفيلة بكشف هذا الخطر الداهم، ويجب دفعه عن حاضرنا ومستقبلنا، ولا ينفع نعتُنا بالعنصرية ولا الاتهام بالفاشية. ما ينفع شيء واحد وهو أن ترعى حكوماتنا مصالح أبنائها وتقدمها على أي مصلحة سواها. فالحكم رؤية قبل أن يكون ممارسة ولو بأرقى الأشكال.

2. التصدي لموجات الهجرة ولا سيما هجرة الشباب وهم بالفعل لا بالقول ذوو الهمم والعقول النضرة ومستقبل الوطن. ومخاطر هجرتهم أكثر من أن تعدّ، وفي طليعتها تناقص عدد سكان البلاد الأصليين وتدني نسبة الولادات وتسهيل توطين الغرباء على قاعدة أن الطبيعة لا تقبل الفراغ. ولوقف الهجرة شروط ومتطلبات على الدولة وأدواتها تحقيقها والتزامها ووضعها في خدمة الأجيال المتعاقبة.

3. كسر ظاهرة الانعزال الديمغرافي ونشوء غيتوات مذهبية أو ما ينعت زوراً بالصفاء المذهبي، وهو تعكير مناخات العيش معاً واضطراب الوحدة الوطنية، والتمهيد لنمو مشاعر النفور والتباغض والكراهية وبالتالي موت الشعور الوطني.

4. تراجع دور لبنان في بيئته المشرقية، إذ كلما تقلّص وجه لبنان التعددي تقلّصت حاجة البنية المشرقية إلى التمثّل به، ونمت الدعوات إلى الدولة الدينية على غرار ما تسعى إليه دولة إسرائيل وتعمل له الصهيونية العالمية؛ ولعل سعي فخامة رئيس الجمهورية إلى اعتبار لبنان أرضاً للحوار الحضاري وعيٌ حقيقيٌّ لما يجب أن يكون عليه دور لبنان في هذه المنطقة وفي العالم كله.

5. العمل الجدي على تطوير اقتصاد المعرفة والتحول من مجتمع يستهلك التكنولوجيا إلى مجتمع ينتجها ويطورها باستمرار، خصوصاً وأن لبنان ليس بلداً ذا صناعة تحويلية ثقيلة ولا يمكنه أن يكون كذلك، بل هو بلد مؤهل أكثر من غيره للصناعة الخفيفة الغالية الثمن، ولنا في صناعة المجوهرات خير دليل على ذلك، وكذلك الازياء.

6. تسريع المشاريع التنموية وطرق المواصلات المؤدية إلى ربط الداخل، وإلى ربط لبنان بالخارج القريب والبعيدإ وما قد ينتج عن هذا التطوير من قدرات سياحية واقتصادية ويعيد انفتاح العالم على تراثنا الحضاري التراكمي.

إن في اتخاذ العبر من مآسي الماضي خير زاد لعافية الحاضر وتهيئة عافية المستقبل، وما الوقائع التدميرية التي خلّفتها حرب السنوات الخمس عشرة التي تأججت نارها في 13 نيسان 1975 إلا ما تعاني منه البلاد اليوم وعلى كل صعيد، ويزيد من هواجس اللبنانيين ومخاوفهم على مستقبل وطنهم.  أما الكلام على النزوح السوري وعودة النازحين الآمنة والكريمة إلى بلادهم وفق وتيرة تصاعدية فهو أكثر من محقّ، ويجب أن يترافق مع سياسة واعية ومدركة وموضوعية وعلمية لحاجة لبنان إلى العمالة السورية المنظمة والقانونية، وحاجة سوريا ما بعد الحرب إلى الطاقات اللبنانية القادرة على الإسهام في نهوضها وإعمارها واستعادة قدراتها على كل صعيد. إن لبنان في انعزاله عن جواره كما في انفلاشه بلا قيد ولا شرط، لا يبقى لبنان، فلنحرص جميعاً على بقاء وطننا حاجة لنفسه ولبيئته وللعالم، فلا بالعنصرية والفاشية نحميه، ولا بالأرض السائبة ننقذه.


هذه الحركات... من أكثر طلبات النساء

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard