لندن تلقي القبض على أسانج... هل أوقع نفسه في "وكر الدبابير"؟

11 نيسان 2019 | 21:19

المصدر: "النهار"

جوليان أسانج - "أ ب"

"لا أحد فوق القانون. جوليان أسانج ليس بطلاً. لقد اختبأ من الحقيقة لسنوات وسنوات". بهذه الكلمات، عبّر وزير الخارجيّة البريطانيّ جيريمي هانت على خبر اعتقال المبرمج الأوسترالي ومؤسّس موقع ويكيليكس جوليان أسانج الذي كان لاجئاً في سفارة الإكوادور في بريطانيا منذ سنة 2012. ووصف هانت قرار رئيس الإكوادور لينين مورينو السماح للشرطة بالدخول إلى السفارة بعد رفع صفة اللاجئ السياسيّ عنه ب "الشجاع" مشيراً إلى أنّ أسانج كان يحتجز السفارة ك "رهينة". 

غضب إكوادوريّ منه

في هذا الوقت كان الرئيس الإكوادوريّ لينين مورينو ينتقد أسانج بقسوة حول عدد من أفعاله قائلاً إنّ صبر بلاده قد نفذ. وبعدما أعلن أنّ بلاده تحترم مبادئ القانون الدوليّ وحقّ اللجوء أشار إلى أنّ منح أو سحب هذا الحق هو اختصاص "سياديّ". وشرح أنّ "السلوك الفظّ والعدوانيّ" لأسانج وتهديد ويكيليكس للإكوادور وخرق المعاهدات الدوليّة بالرغم من التحذيرات المتكرّرة لم تعد قابلة للاستدامة.


الرئيس الإكوادوري لينين مورينو - "أ ب"

وذكر مورينو أنّ أسانج خرق مبدأ عدم التدخّل في شؤون الدول الأخرى مشيراً إلى أنّ ويكيليكس نشرت تسريبات عن الفاتيكان في كانون الثاني الماضي بعدما زاره أشخاص منها قبل وبعد التسريب ممّا أكّد بالنسبة إليه أنّ أسانج لا يزال مرتبطاً بالموقع. ومن الأمثلة التي أوردها أيضاً استخدامه أجهزة إلكترونيّة للتشويش وقطعه عمل كاميرات المراقبة لدى البعثة الإكوادوريّة وإساءته معاملة الحرس. كذلك، وصل أسانج إلى ملفّات أمنيّة تابعة للسفارة من دون إذن، وفيما هدّدت ويكيليكس منذ يومين الإكوادور أكّد رئيس البلاد عدم وجود ما تخشاه حكومته. وقال إنّه طلب من بريطانيا عدم تسليم أسانج إلى دولة حيث قد يواجه التعذيب أو عقوبة الإعدام.


ملف معقّد

تعدّ قضيّة أسانج بالغة التشابك بالنظر إلى الدول الكثيرة التي تلاحقه قضائيّاً. لكنّ الأمر لا يرتبط فقط بعدد هذه الدول بل أيضاً بكمّيّة الملفّات التي يرتبط بها أسانج داخل البلد الواحد. في مقابلة مع "سي أن أن" يقول كبير مراسلي الشبكة لشؤون الأمن القومي جيم سكيوتو إنّ أسانج شخصيّة أساسيّة في قضيّة التدخل الروسي بالانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة حيث كان "جزءاً" من هذا التدخل. كذلك، رأى أنّه "شاهد مركزيّ" في ما يمكن لحملة ترامب الانتخابيّة أن تكون قد علمته حول التسريبات التي طالت حملة هيلاري كلينتون. وتحدّث سكيوتو أيضاً عن علاقة أسانج بمحلّلة الاستخبارات الأميركيّة تشيلسي نانينغ التي أدينت سنة 2013 بتسريب 700 ألف وثيقة سرية ديبلوماسيّة وعسكريّة لصالح ويكيليكس.

وفي سنة 2012، فرّ أسانج إلى السفارة الإكوادوريّة مخالفاً شروط إفراج القضاء البريطانيّ عنه بكفالة، وذلك كي يتجنّب تسليمه إلى السويد حيث كان يواجه اتهامات بارتكاب جريمتي اغتصاب. وأسقطت السويد الملاحقات سنة 2017 بفعل مرور الزمن وعدم تحقيق أي تقدّم في ملاحقته. كذلك، أعلنت محامية المرأة التي تتّهم أسانج باغتصابها أنّها مع إعادة فتح القضيّة بعد ألقاء القبض عليه. وفي حين تصل عقوبة عدم المثول أمام القضاء البريطانيّ إلى سنة سجن، تبدو مشكلة أسانج الأساسيّة مع واشنطن التي تقدّمت من لندن ب "طلب تسليم" وهو ما يريد أسانج الطعن به. وخلال تولّيه رئاسة الاستخبارات المركزيّة "سي آي أي"، وصف بومبيو ويكيليكس بأنّه "جهاز استخباريّ معادٍ يتلقى غالباً مساعدة من جهات حكوميّة مثل روسيا". وأكد وزير العدل السابق جيف سيشنز في نيسان 2017 أنّ اعتقال أسانج يمثّل "أولوية" للولايات المتّحدة.

بعد عقد على إنشائها سنة 2006، كانت منظّمة ويكيليكس قد نشرت أكثر من عشرة ملايين وثيقة سرية من بينها وثائق سلّطت الضوء على عمليّات الجيش الأميركيّ في العراق وأفغانستان. وحظي الموقع بشهرة كبيرة سنة 2010 حين نشر عشرات آلاف البرقيّات الديبلوماسيّة للبعثات الأميركيّة في الخارج. لكنّ دانيال دومشايت-برغ الذي كان متحدّثاً باسم المنظّمة غادرها في السنة نفسها واصفاً أسانج بأنّه "مهووس بالسلطة". وخلال الانتخابات الأميركيّة، ازدادت الاتّهامات إلى أسانج بكونه "أداة" بيد الروس لأنّه لم ينشر سوى الرسائل الإلكترونيّة المتعلّقة بكلينتون بينما امتنع عن ذلك في ما خصّ حملة ترامب. لكنّ أسانج نفى أن يكون "ألعوبة" بيد موسكو مشيراً إلى أنّه لم يصله أي شيء عن المرشّح الجمهوريّ آنذاك كي ينشره.


ما الذي أوصله إلى هنا؟

في التحليلات المبنيّة على تطوّر العلاقات بين الإكوادور وأسانج، تظهر قراءة أوّليّة أنّ الأخير ساهم ربّما في رفع الحماية الديبلوماسيّة. نشر موقع "ذا دايلي بيست" تقريراً أوضح أنّه منذ وصوله إلى سدّة الرئاسة في أيّار 2017، لم يخف مورينو اعتبار أسانج "مشكلة موروثة"، فردّ عليه عندما أثار "وكر الدبابير" بدعمه حركة الاستقلال الكتالونية مجبراً وزير خارجيّة الإكوادور على القول إنّ مواقف أسانج لا تمثّل بلاده. وأوقف مورينو شبكة الإنترنت عن أسانج في آذار قبل أن تعاد إليه أواخر سنة 2018، بشرط عدم التدخل في شؤون دول أخرى.


أسانج يصل إلى محكمة ويستمنستر البريطانية، 11 نيسان 2019 - "أ ب"

وفي الوقت نفسه، منعت كويتو أسانج من استقبال زوّار غير معلن عنهم وطلبت منه دفع نفقاته الصحية والالتزام بشروط نظافة محدّدة وبحسن معاملة هرّه. خسر أسانج محاولة رفع هذه القيود أمام القضاء وأمام لجنة الدول الأميركيّة لحقوق الإنسان. وفي شباط الماضي حصل خصم سياسيّ لمورينو على وثائق مسربة من مصدر مجهول تدّعي أنّه استفاد من عمليّة فساد في عقد مع شركة صينيّة قبل قيام "ويكيليكس" بنشر تغريدة عن الموضوع بعد أسابيع. وانطلق موقع إلكترونيّ أوائل آذار ناشراً مواد مقرصنة من حسابات الرئيس وعائلته: "صورة لغرفة نومي، الطعام الذي أتناوله، وكيف ترقص زوجتي وبناتي والأصدقاء"، بحسب ما قاله مورينو الثلاثاء.

توقيت خاطئ

ربّما وقع أسانج ضحيّة اتّفاق دوليّ أكبر من أن يؤثّر سلوكه في مجراه. مع ذلك، هنالك احتمال آخر يتمثّل باختياره معركة خاطئة في التوقيت الخاطئ ضدّ الرئيس الإكوادوريّ الحاليّ حيث لم ينفعه نفي ويكيليكس تورّطها في نشر هذه الوثائق. فهذه "المعركة" المحتملة تزامنت مع المفاوضات التي كانت تجريها لندن وكويتو حول أسانج والتي بدأت الوكالات تنشر أخباراً حول دخولها فترة حاسمة منذ تمّوز الماضي.

وبغضّ النظر عن التحقيقات الصحافيّة، كانت الرسائل الصادرة من المسؤولين الإكوادوريّين في ذلك الحين قد بدأت ترسم معالم الطريق المقبلة. فوزير الخارجيّة الإكوادوريّ خوسي فالنسيا قال إنّ مؤسّس ويكيليكس لا يستطيع البقاء مدى الحياة داخل سفارة بلاده في لندن بينما أعلن مورينو أنّه يتعيّن على أسانج مغادرة السفارة في نهاية المطاف.

ووصف القاضي البريطانيّ مايكل سنو الذي حاكم أسانج اليوم بأنّ سلوكه هو "سلوك نرجسيّ لا يستطيع تخطّي مصالحه الأنانيّة". فهل وقفت هذه "النرجسيّة" خلف أزمته الحاليّة؟

لوحة سمير تماري: "التحليق فوق العقبات"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard