بعد 1000 عام من التلاشي... غوغل تعيد القبطية إلى واجهة النقاش بمصر

13 آذار 2019 | 17:58

المصدر: "النهار"

للمرة الأولى منذ ما يقرب من 1000 سنة، تتجاوز اللغة القبطية أسوار الكنائس الأرثوذكسية المصرية، وقاعات الدراسة الأكاديمية، وبعض الدوائر الاجتماعية شبه المغلقة، لتصبح جزءا من نقاش عام واهتمام جماهيري واسع في مصر، على مدار اليومين الماضيين، وذلك بعدما قررت شركة غوغل إضافتها إلى لوحة المفاتيح الخاصة بها (Gboard).

وجاء إدراج اللغة القبطية في لوحة مفاتيح غوغل خلال آخر تحديث للتطبيق ضمن 60 لغة تمت إضافتها. وتتاح لوحة المفاتيح لمستخدمي منصات "أندرويد" و"أي أو أس". وقد تم تحميل (Gboard) على منصة "أندرويد" واسعة الانتشار، قرابة مليار مرة.

وبدأت اللغة القبطية، التي تعد تطوراً للغة الفراعنة (الهيروغليفية)، تواجه تحديا ًحقيقياً، وتتلاشى شيئا فشيئاً من المجال العام، بعد الفتح العربي لمصر، خاصة بعدما أمر الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان (646-705م) بتعريب الدواوين الحكومية.

وشهدت القبطية انحساراً كبيراً بعدما منع الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (985-1021) استخدامها في الحياة اليومية للمصريين، ويقال إنه هدد بقتل أو قطع لسان من يتحدثها. وبالفعل فقد اندثرت تلك اللغة من شتى ربوع مصر شيئاً فشيئاً، ولم تعد موجودة اليوم، سوى في قرية واحدة فقط، وهي قرية الزينية بمحافظة الأقصر (قرابة 721 كيلومتراً جنوب القاهرة).

وتسبب هذا المنع باندثار الكثير من العلوم المتوارثة من الحضارة الفرعونية. وكانت القبطية إلى جانب اليونانية لغتي تدريس العلوم والرياضيات في مصر في ذلك الوقت.

"اللهجة البحيرية"

وتقول الدكتورة إيمان الجمال أستاذة الفنون الفرعونية بجامعة أسوان لـ"النهار": " تعد اللغة القبطية المرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة. وكانت الكتابات المصرية القديمة تنقسم على الخط الديموطيقي، والخط الهيراطيقي، والخط الهيروغليفي، والخط القبطي. وأخذت اللغة القبطية من اليونانية مع فتح الإسكندر الأكبر لمصر، ووجدت في القبطية الكثير من المفردات اليونانية".

"كان للكنيسة دور كبير في إرساء اللغة القبطية وقضت قوانين القديس باخوميوس بأن يقرأ الرهبان الإنجيل باللغة القبطية" حسبما تقول أستاذة الفنون الفرعونية، "واستمرت مصر في التحدث باللغة القبطية حتى الفتح العربي، وتختلف لهجات اللغة القبطية في الوجه البحري، والصعيد قديماً، ولكن أصبحت مع الوقت اللهجة البحيرية هي السائدة، وتوجد بعض الكلمات القبطية متداولة فى اللغة العامية المصرية حاليا، وكذلك أسماء بعض البلاد مثل (أخميم) و(ابوصير)".

وأشارت الجمال إلى أن "عدد حروف اللغة القبطية 32، والحروف المتحركة في اللغة القبطية عددها 7، وهى A E Y I O U W. وقد وضع الأنبا شنودة الثالث (بابا الكنيسة الأرثوذكسية القبطية السابق) مجموعة من القوانين تقترب من قوانين القديس باخوميوس باللغة القبطية".

"إعادة إحياء"

ويقول رأفت رضا أحمد الباحث في مجال الآثار والمصريات لـ"النهار": "سوف تساهم خطوة غوغل بشكل كبير في إحياء اللغة القبطية، التي تعد جزءاً لا يتجزأ من هوية مصر، وخصوصا أن التطبيق سوف يفتح آفاقاً أخرى للشركة كي تضيفها إلى برنامج الترجمة الخاص بها، وبهذا يمكن للناس أن تترجم من القبطية وإليها بسلاسة".

ويتوقع الباحث التونسي الذي اهتم بتعلم القبطية إلى جانب الفينيقية والبونيقية والهيروغليفية في إطار إعداده قاموساً مقارناً إن "إضافة غوغل للغة القبطية سوف يساهم في تشجيع المصريين على تعلم لغتهم الأم إلى جانب العربية".

وأعرب أحمد عن استغرابه قائلا: "إذا كان الإسرائيليون أحيوا لغتهم العبرية المحدثة من النقوش والمخطوطات القديمة، وإذا كانت المغرب والجزائر أدخلتا اللغة الأمازيغية الأم إلى نظمهما التعليمية، فكيف لا يقوم المصريون بإحياء اللغة القبطية؟!".

وأضاف الباحث أن "هناك بعض الناس حالياً، حتى من المسلمين، يتعلمون القبطية، لأن هذه اللغة تمثل هوية بلد، وليست لغة الكنيسية الأرثوذكسية المصرية فحسب، فقد كانت لغة أدب، وعلوم، وحياة يومية، وهي تمثل المرحلة الرابعة من مراحل تطول اللغة المصرية القديمة".

وأشار إلى أن "هناك مئات وربما آلاف الكلمات التي يستخدمها المصريون حاليا، دون أن يدركوا أنها كلمات قبطية، ومن تلك الكلمات على سبيل المثال: مشط من امشوت، كاني وماني، شوبش، ترمس، أمبو، لايص، مدمس".

"احتفاء ومطالبات"

وبينما شعر عدد كبير من المصريين بالمفاجأة والسعادة لاتخاذ شركة غوغل هذه الخطوة، وتناولت وسائل إعلام مصرية الحدث باهتمام واضح، بدأت مطالبات بضرورة أن تتخذ الدولة خطوات عملية لإحياء هذه اللغة القديمة.

وطالب المحامي القبطي هاني صبري في خطاب مفتوح الحكومة المصرية "باستصدار قرار جمهوري بشأن إنشاء مجلس أعلي لإحياء اللغة القبطية، والتراث القبطي، يضم عددا من المتخصصين في علم القبطيات، والمثقفين المعنيين بهذا الأمر، والتنسيق مع الكنيسة المصرية".

وقال صبري لـ"النهار": "على الدولة اتخاذ كافة التدابير اللازمة لإحياء اللغة القبطية والمحافظة علي لغتنا، لأنها لغة أجدادنا المصريين القدماء، فنحن نحمل في داخلنا هويتنا وحضارتنا وتراثنا، ولا يمكن أن يمحهم الزمن، أو تقهرهم المحن".

"كل ما اسمعها، بتوجعني معدتي"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard