"صلوا أرحامكم وإن قطعوكم"

5 آذار 2019 | 11:51

المصدر: النهار

أحرفٌ تحمل في طياتها الرحمة، وتنمّ في ظاهرها على الترابط، ولكن إذا دقّقنا النظر في واقعنا الحالي سنكتشف أنه يخلو منها، بل قد نكون نفعل العكس تماماً، فالعالم الخارجي لا يهتمّ بأرحامه بقدر ما يهتم بأصدقائه، ولا يولي أقاربه اهتماماً بقدر ما يوليه لمديره وزملائه في العمل. فأحياناً قد تتضمن أولوياته زيارة الشخص المسؤول عن ترقيته أو زيادة راتبه، في حين أن القائمة نفسها ليس لديها متسع من الوقت لزيارة عمّة أو خالة.

مقاطعة الأرحام باتت أسلوب حياة داخل الأسر المصرية، فالبرامج الاجتماعية تستغرق أكثر من نصف وقتها -إن لم تكن كلها- في تلقي الاتصالات الهاتفية التي تدور غالبيتها في فلك مقاطعة الأهل والأقارب، وبالرغم من أنهم يحصلون على إجابة واحدة فاصلة: "حرام"، إلا أن عدد المكالمات يزداد كلما تقدّم بنا العمر، وكأن المكالمة مجرد وسيلة يتبّعها المتصل من أجل أن يريح ضميره، أو أن تكون لديه رغبة في أن يسمع الإجابة التي تروق له، لأنه على الأغلب يصبّ على مسامع الحاضرين كلاماً يرمي إلى أنه الطرف المظلوم، ومن ثم يتوق إلى سماع ما يحثّه على البقاء على مقاطعته أقاربه، رافضاً أية محاولات تدعو إلى التسامح حتى لا تؤدي به إلى التصالح معهم.

بتُّ لا أتعجب من أخ يتحدث مع جيرانه، في حين أنه إذا صادف وقابل أخاه يشيح بوجهه عنه حتى يتحاشى النظر إلى عينيه. اعتدت أن أرى شخصاً يقدّم المساعدة للكبير والصغير، ولكن حينما يدرك أن المساعدة تخصّ أخته، يرفض بشدة أن يقدّم لها يد العون. وما العجب في هذا، فقد باتت تلك المواقف موضة هذا الزمان. فالروابط الاجتماعية تكاد تكون تمزقت، فقد أصيبت العلاقات الأسرية في المقتل، حتى أصبحنا لا نتقابل إلا في المناسبات التي تحمل في ثناياها الكثير من المجاملات إلى أن تنقضي، فيدير كل واحد منهم ظهره للآخر، كأنه لم يعرفه من قبل.

قد ينتج عن سوء التفاهم خلافٌ، ولكن هذا ليس معناه أن نتخاصم إلى الحد الذي يجعلنا نقاطع بعضنا البعض. قد يكون الشخص حانقاً على أخيه وغاضباً جراء فعل اقترفه، حتى يمرض أو يصيبه مكروه، ومع ذلك يأبى أن يزوره بحجة أنه غير راغب في رؤيته، فضلاً عن أن بعض حالات المقاطعة قد لا تشمل الأخ فحسب، بل زوجته وأولاده أيضاً، ما يؤدي إلى فتح الباب للمتصيدين لإشعال النيران بينهم أكثر فأكثر، حتى يغدو أمر التسامح مستحيلاً.

لا أدري ماذا كان يفعله أجدادنا حتى كانت بيوتهم أكثر ترابطاً وتماسكاً من بيوت الأجيال الحالية، فقد كان "البيت الكبير" مكاناً له هيبته واحترامه، ولا مكان فيه للخلاف؛ بالطبع كانوا يختلفون في آرائهم ولكن لم يسمحوا للخصام بأن يتسلل بينهم. كانوا يلقون كل شيء جانباً من شأنه أن يؤثر على روابطهم بأسرهم. كانوا يقدّرون الصلات الاجتماعية ويقدّسون مفهوم العائلة. وبالرغم من أننا أكثر تعلماً وتفتحاً منهم، إلا أننا فشلنا في تحقيق روابط أسرية ناجحة مثلهم. الأمر لا يتعلق بالتعليم أكثر ما يتعلق بالتربية. سلفاً، كان الأكبر سناً له مكانته التي يهابها الجميع، كما أنهم كانوا يوقّرونه حباً فيه واعتزازاً به لما له من قيمة وقامة من شأنها أن تحلّ أية مشكلة، وتتصدى كذلك لأي خلاف يمكن من خلاله أن يؤدّي إلى حدوث التفرقة والتفكك. لذا، كانت كلمته تسري على الجميع من دون اعتراض، وأوامره تتحقق من دون نقاش. أما الآن فقد بات كل شخص كبيرَ نفسه، يخاصم كما يحلو له، ويقاطع مَن يشاء من أفراد أسرته دون أن يحاسبه أحد، فقد صرنا نتعامل في مجتمعنا الصغير حسب أهوائنا الذاتية وميولنا الشخصية حتى آل بنا إلى مقاطعات قد تتعدى العشرين عاماً، وأحياناً كثيرة يكون الموت أسرع من قدر التصالح... حقّاً بات الحال يرثى له.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard