برلين ٦٩ - "القفّاز الذهب" لفاتي أكين: كلّ هذه السادية من أجل القليل

12 شباط 2019 | 19:52

المصدر: "النهار"

"القفّاز الذهب" لفاتي أكين.

يعود المخرج التركي الألماني فاتي أكين بفيلم أقلّ ما يُقال فيه انه لا يترك أي مجال للمُشاهد لإشغال المخيلة والاجتهاد، بعد فيلمه المتواضع عن الإرهاب وأشياء أخرى ("من العدم"). هذا العمل المعنون "القفّاز الذهب" (مسابقة) يؤفلم فصلاً من سيرة القاتل الألماني فريتز هونكا (١٩٣٥ - ١٩٩٨)، غامزاً من قناة فكرة "عادية الشر"، الفكرة الألمانية جداً (يضطلع بدور القاتل ببراعة لافتة يوناس داسلر). بين عامي ١٩٧٠ و١٩٧٥، قتل هونكا أربع عاملات جنس وخبأ جثثهن في منزله الهامبورغي بعد تقطيعها بالمنشار. وعندما كان يُسأل عن الروائح النتنة المنبعثة من بيته، يلقي باللوم على نوع الطبخ الذي يحضّره جيرانه اليونانيون. دافع جرائمه كان دائماً الجنس. فسبب قتله لواحدة منهن مثلاً شعوره بأنها لم تشعر بالنشوة وهي تنام معه. كان يصعب على هونكا ايجاد نساء، حتى من بين المومسات، نظراً إلى مظهره الخارجي غير المريح، وعينيه المخيفتين وقامته القصيرة التي تجعله أقرب إلى الأحدب. مقهى "القفّاز الذهب" حيث كان يختار ضحاياه، تحول إلى عنوان الرواية التي كتبها هانز سترونك عن هونكا. فاتي أكين استند إلى هذه الرواية لإنجاز فيلمه هذا. كثرٌ منّا خلال العرض الصحافي شاهدوه وشعور القرف من المشاهد المقززة يصعد إلى حناجرهم.

يوناس داسلر في دور هونكا.

عدم حماستي للفيلم سببه بسيط: قرار اظهار كلّ شيء. وهذا ما يُفقِد العمل سحره. هذا الهوس في اقتفاء اثر القاتل "على الدعسة"، والبقاء وفياً قدر المستطاع لأشيائه (يؤكده جنريك النهاية). كلّ التفاصيل الدموية تجد طريقها إلى الشاشة. لا يوفّر أكين أياً منها. ولو لم يسبق ان أنجز فيلمه "القطع" عن الابادة الأرمنية، لكان في امكاني القول ممازحاً، بأنه يتلذذ بكلّ هذه السادية، صانعاً من حيث لا يدري اسطورة جديدة تُضاف إلى القائمة الطويلة للشخصيات السلبية التي "يُحتفى" بها في الثقافة الشعبية الغربية. لكن الرجل، كما أعرفه وأعرف أخلاقه، بعيد تماماً عن هذا. ربما نسي فقط قاعدة ذهبية في السينما: كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية. روبير بروسون نصح مجايليه: "الشيطان يقفز إلى فمه": فلا تعمل على ان يقفز الشيطان إلى الفم. "الأزواج كلهم بشعون": فلا تظهر حشداً من الأزواج البشعين. ليكن فيلمك شبيهاً بالذي تراه عندما تغمض عينيك.

أجواء السبعينات.
مع هذا، يُمكن ملاحظة بعض الأشياء في الفيلم. فهناك، على سبيل المثل، كآبة من نوع غريب تمسكه من "أسفله". أما ذلك السقف القاتم والمقفر الذي تعيش تحته شلّة من الناس وينعدم فيه الأمل، فيذوب بشكل باهر في الألوان المائلة إلى البني الدافئ والظلال والجماليات التي يرسم بها أكين حقبة السبعينات. المسافة بين الشخص والبيئة تُختزَل هنا إلى حدّها الأدنى، إلى درجة اننا نسأل ما إذا كان فيلم أكين محاكمة للحقبة التي يصوّرها أيضاً.

أياً يكن، قلّة من الأفلام تستطيع نقل دواخل الشخصية إلى جدران منزلها. هناك شيء من هونكا في كلّ مكان، إلى درجة انه لم يتبق منه في داخله. وهذا الفراغ داخل إنسان هو ما يصوّره أكين؛ فراغ يبدو انه قادر على الكثير. لا تقللوا شأنه!


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard