مأكولات ومشروبات اشتريناها من الباعة الجوّالين في شوارع بيروت... "تعا بَوْرِد تع"

13 شباط 2019 | 12:02

بائع الكعك.

يحدثك كبار السن عن بيروت القديمة، عن ساعة العبد وأسواقها. كانت بيروت تشبه إلى حد ما دمشق والقاهرة. كان وسط المدينة يعج بالحياة وكان المزارعون يحملون محصولهم كل يوم إلى ساحة البرج كي يبيعوه. كان هذا الشعاع البيروتي يخترق أسوار ساحة الشهداء نحو بقية أنحاء العاصمة إلى الأشرفية ورأس النبع ووادي أبو جميل وزاروب الجمال ودار المريسة... الخ. دمرت الحرب القلب فسكنت الأطراف وما عاد للحياة رونقها المعتاد. 

بين زحمة الوافدين إلى المدينة أصوات باعة حملوا زادهم على كتفهم وتوجهوا عند الأولى بعد الظهر إلى ابواب المدارس. باعة جوالون حملوا معهم كل ما يلفت انتباه الأطفال ويجذبهم. كل منتج كان لديه كيانه الخاص المستقل، أهزوجته الخاصة، طريقة عرضه وحيلته لجذب المارة. لعل صوت طقطقات ملقط الحديد المقبل من بعيد ينبئك بأن بائع الذرة المسلوقة قد وصل.

لا يقتصر الأمر على الذرة المشوية أو المسلوقة، فهناك مأكولات اختفى بائعوها عن الساحة ولم تتوقع يوماً أن بإمكانك أن تشتريها من الشارع ومأكولات ما زلنا نرى أثراً لها. 

الكبيس 

في كيس بلاستيك صغير يعطيك بائع الكبيس على قدر ما تعطيه من النقود قدراً من كبيس اللفت الأحمر والشمندر واللملفوف، خلطة خضار يغيب عنها الخيار والباذنجان اللذين يتوافران في مرطبان مستقل. 

الفستق ( الفول السوداني) 


تجذبك رائحة شواء الفول السوداني من بعيد، هذا التحميص الجاري على عربة صغيرة وداخون من الكرتون. "كمشة" من الفسطة في قرطاس ورقي تشعر من خلاله بسخونة الفستق المحمص. وكم مرة غمرتكم الفرحة عندما تباغتكم حبة بزر يقطين بين "الفستقات" او حبة "فستق حلبي" وكأنك ربحت اللوتو. 

الكعك العصروني

 على دراجة نارية، كان الباعة يبيعون "الكعكة العصرونية". الكعكة ذات الطبقتين العلوية الرقيقة المقرمشة والمغطاة بحبات السمسم والسفلية السميكة. كانت الكعكة "الرافخة" هي مبتغى الزبائن أما الكعكة "اللاطية" التي لم تنتفخ طبقاتها في الفرن فكانت رخيصة الثمن. 


"كعك كعك" و "كعك سخن" بهاتين العباراتين كان البائع يلفت المارة إلى وجوده. كان يخرق الكعكة بإبهامه ليرش له القليل من الصعتر أو السماق الأحمر قبل أن تنتشر موضة الجبنة المطبوخة وعناصر أخرى حضرت حين انتقل بيع الكعك من الأفران والعربات إلى الصالات. وصرنا نسمع بكعكة بقشقوان وكعكة بالحبش وجبنة وكعكة بالشوكولاتة...الخ. 

الكعكة الطرابلسية 

على عربة خشبية ثبت عليها منقل فحم تفوح منه رائحة الكربون ينظم البائع مجموعة من الكعك الدائري على حديدة مخصصة للشواء. يسمي الفرانون هذا النوع من الكعك بالقلّيطة او الكعكة الطرابلسية التي يشويها البائع على الفحم بعد حشوها بقطع الجبنة المالحة كي تتحمص وتحمر فتثير شهيتك قبل أن يعطيك إياها. 

الكرابيج ولعبة الزهر 


يحمل البائع سطلاً فيه مسحوق أبيض ذو مذاق حلو وينادي "كرابيج كرابيج"، ولك الخيار في الشراء مباشرة او المراهنة عبر الزهر وقد تدفع ثمن واحد وتربح ستة كرابيج. هي أشبه بقرطاس من الأيس كريم الذي لا يذوب. صنعه البائع من بياض البيض المخفوق مع السكر. 

غزل البنات

 للأطفال أطعمتهم الخاصة التي يرون سعادتهم فيها وبألوانها ومذاقها كغزل البنات الذي كان ذا لون أبيض قبل انتشار صباغ الطعام حيث بات الشائع هو اللون الزهري ومن ثم تعددت الألوان. في مدينة الملاهي، في المهرجانات والأعياد وبالقرب من الأماكن الأثرية كان بائعو غزل البنات ينصبون مكامنهم للأطفال الذين ينجذبون لأكياسها الشفافة. اذ لا تباع في لبنان على خشبة كما في بلدان أخرى.

التفاح المغطس بالسكر الأحمر 

أمام المدرسة الرسمية في بيروت، يحمل أحد الباعة صدراً نحاسياً كبيراً أنزله عن رأسه، زينه بتفاح مغطس بالسكر الأحمر المذاب والممزوج بماء الورد. شكلها الجذاب ننساه حين نهم بقضمها ولا نعرف من أين تؤكل التفاحة. تارة تلتصق بأسناننا دون جدوى وتارة نشعر بوجع في عضلات الفك بسبب الجهد الذي نبذله، وما إن ننجح بالمهمة حتى تسمع "القرقشات " من أفواه الأطفال. كتيرٌ منهم كانوا يأكلون الأحمر منها ويرمون ما تبقى. 

الفول والترمس والعرانيس - كلاوي يا فول

 لعل أحد الباعة وهو يجر العربة ويتأمل من ما عليها من حبات الفول استلهم من شكلها عبارة "كلاوي يا فول". عبارة انتشرت في لبنان شمالاً وجنوباً واينما ذهبت. وإلى جانب طنجرة الفول التي يتصاعد منها الدخان. ستجد "جاط ترمس". اذ يبادرك البائع منادياً بصوته البيروتي الأصيل "ترمس حلاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااو" أي ترمس حلو . لم يكن فيها حينها صحون بلاستيكية بل كان يقدمها لك في كيس بلاستيكي بعدما يعبئها بكوب شاي زجاجي وضعه فوق "الترمسات"، وكان من النادر أن تطلب رشة كمون على الترمس. الكمون والليمون الحامض والفلفل الأحمر مخصصان للفول والملح هو للترمس دون سواه. 

وكما للترمس والفول، للذرة المسلوقة والمشوية مناداتهم الخاصة "عرانيس -عرانيس" مع شدّة قوية على حرف السين وعلى وقع طقطقات ملقط الشواء الذي يستعمله البائع لتقليب عرانيس الذرة فوق المنقل وفي الطنجرة . 

شعيبيات طازة وسخنين

كان لبائع الحلويات عربة خشبية أسوة بغيره من الباعة، ولكن البائع الأشهر كان بائع الشعيبيات الذي كان  أول ما ركب موجة التقنيات الحديثة بمذياع ركّبه في سيارته وجال في المناطق وهو ينادي:" وصّل بيّاااع الشعيبيات ... طازة وسخنين ... كبّروا الجاطات لنكتر القطرات ... قرّب با ابو العيلة شلك شيلة". ما زال بائع الشعيبيات يجول في المناطق وهناك من ينتظره. 

البوظة

على دراجة هوائية وفي صندوق معدني صغير في المقدمة يضع البائع عيدان البوظة على نكهات ليست غريبة عنا. كان رائجاً في زمان لا كهرباء ولا ثلاجة فيه. بوظة على حليب أو الليمون الحامض أو التوت أو البرتقال. نكهات محدودة هي تلك النكهات الطبيعية المتوافرةصنعها من الطبيعة وسوق الفاكهة وليست باصطناعية من دون ان ننسى الإشارة الى الزمور المعلق في مقدمة الدراجة وذي الصوت المميّز.

تمر هندي وعرق سوس - تعا بورد تاع 

هو مشروب تراثي في كافة أنحاء بلاد الشام، جرّات معدنية لديها خرطوم يصب في المقدمة يحملها البائع على ظهره. هما جرتان، جرة للمشروب المتوافر وجرة للماء لغسل الأكواب. كان المفضل لدى المارة في أوقات الحر وكانت عبارته الشهيرة "تعا بَوْرِد تع بورد تع" والمشروبات كانت بين التمر الهندي وعرق السوس والليموناضة. وقد يتوافر مع البائع في بعض الأحيان إلى جانب كوب الليموناضة كيس من الكعك "للتغميس" في كوب العصير.

رغم ان هؤلاء الباعة كانوا جوالين وكان ما يحملونه مكشوفاً للهواء الطلق ولكن لبنان لم يكن ملوثاً كما هو اليوم ولم تجتح نظامنا الغذائي المعلبات والملونات والمسرطنات كما هي الآن، كل ما كان موجود حينها صحياً وخالياً من المواد الحافظة ومليئاً بالحنين والتراث. 

"كل ما اسمعها، بتوجعني معدتي"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard