مراسَلة عن الوجع السوري بين صديقين سوريين مقيم وشريد

7 كانون الثاني 2019 | 11:33

الوجع السوري، بريشة الرسام عمران يونس.

كتب لي صديقي العتيق، من قلب الوجع السوري:

"أيّ رعب هذا الذي نحياه يا صديقي. آه! نحن محكومون فقط. محكومون. وعذراً سعد الله ونوس. ثمّ من ادعى أننا ولدنا أحراراً؟ لا. نحن عبيد. صدقاً، يكلّلني الحياء عندما أقرأ نصاً، ولا أجرؤ على إبداء رأيي لكاتبه! كم أتألم عندما لا يمكنني التعبير لأنني أخاف. نعم، لا تتعجب. حتى عندما أتنقل بين المواقع، أرتعد خوفاً لقراءة "زمان الوصل" مثلاً، أو عندما أقرأ مقالاً لإنسان مهاجر، يكتب بصدق وموضوعية. أخاف وكل ما حولي مخيف، أرتعد خوفاً إذا ما رنّ الهاتف، إذا ما قُرع جرس المنزل. الرقيب أدمن داخل كل منّا هنا. نحن هنا لا شيء. سمِّنا أشباحاً، سمّنا رهائن. نبكي بصدق. نعم، نبكي كثيراً حتى ملّتنا الدموع. ماذا يراد بنا؟ يتحاشى واحدنا الآخر، كل واحد يرتاب بالآخر، يتجنبه، مثلما كان معظمنا يتجنب زيارة سجين سياسي خوفاً من المساءلة، فتراه في عزلة اجتماعية، كما منفردة قبوه الرطب، لا نزال نقول ما لا نريد. ألسنا بشراً؟ أي خراب هي المعمورة؟".

قرأتُ ما سبق وعدتُ فوراً لأذكّره بكتاب الراحل ممدوح عدوان وهو يحلل آليات الذعر التي تعيشها الناس في ظل الاستبداد، وأذكّره برواية "1984" وعشرات الكتب التي قرأناها وكانت ترسم حال الناس تحت رعب الطغاة.

إلى صديقي، ومعه، أكتب: آه يا صديقي لو أستطيع أن أرسل لك الأمان ولو مع الطيور المهاجرة، لو أستطيع أن أقفز نحو البلد كمارد أسطوري في لحظة، وأزرع الفرح بدل الكراهية والخوف، أزرع الحرية بدل السجون، لو أستطيع إرسال الهواء النظيف إلى هناك بدل هواء الحرب والرعب.

نعم يا صديقي النبيل كالقهر كالدمع، الرائع والخائف كعصفور مذبوح، هكذا هو الآن، الحاضر المرعب. كل الأغاني صادروا منها الفرح، نعم وأكثر. هل أقول لك إنكَ أبكيتني أكثر من بكائي؟ هل أقول لك إن أحلامي معظمها مسكونة بالخوف من الاعتقال، وغالباً ما أرى نفسي في الحلم هناك في بلدتي سلمية، حيث أسأل ذاتي: لماذا أنا هنا؟ لا بدّ سأعتقل، ثمّ أصحو صباحاً شاكراً القدر على نعمة اللجوء والهروب.

صدِّقني، أدركُ تماماً مدى القهر في الداخل، وأدركُ مدى الذعر العام حيث يتم تطبيق تجربة بافلوف الشهيرة، ولكن هذه المرة على شعب بكامله، وفي كل مرة أو في كل ساعة على الناس أن تعتاد على إشراط قهري جديد.

يا صديقي، كنتُ أنتظركَ وأنتظر كلماتكَ ولا أزال. فرغم الذعر الذي نعيشه هناك وهنا، فربما ينبت الأمل من جديد، وقد نستيقظ صباحاً لنقرأ معاً قصائد رياض الصالح الحسين برفقة صباح جديد على البلد.

أعرفُ أن الكلام متعبٌ مثلنا، وحزين، ولكن هل نملك نحن سوى الكلمات أدة للتعبير وللحياة!

يا صديقي الذي أدمنت صناعة الحياة من قلب العدم، لا أزال أؤمن بأن المستقبل للناس ولا يمكن لهذا القهر العام أن يدوم.

أتذكر؟ كما في كل مساء، كناً معاً نصنع الشاي ونشرب نخب الفرح، كيف كنا نداوي القهر بالغناء؟!

يا صديقي القديم، كل كلمة كتبتَها لي هنا، تعني أكثر من معناها بكثير، كلماتك تعبير عن فيض الروح السورية، وهي تئن من هذه الحال، معلنة استحالة استمرار هذه الحال.

يا صديقي، ربما علينا أن نتمسك أكثر من السابق بالحب والحرية، وربما علينا التمسك أكثر بالعدل والحق، وربما علينا معاً الغناء ضدّ كل هذا القهر العام.

لي هناك أنتَ وبقايا حكايات قديمة، لي هناك قبر أمي وأبي وقصص حبي العتيقة، لي هناك كل شيء، مع أني مثلك تماماً لم أملك يوماً ولا حتى شبر تراب، لي هناك خيباتي وفشلي المديد وفقري، لي هناك أنتَ وبعض رغيف خبز تقاسمناه معاً طوال عمر، لي هناك نهر وبرارٍ وآه طويلة جداً. لي هناك أمل وحرية وبيدر من حبق.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard