القمر المهاجر

21 كانون الأول 2018 | 14:17

تصوير أحمد زريق.

وحيداً

غادر قمر حزيران السّماء كما ظهر

وحيداً

وتتالت المواسم واحداً تلو الآخر

حتى انقضت جميعها

لا شيء

لا شيء في هذه الليلة يلتمع الآن

لا في عيني ماري ولا فوق الأمواج الهادئة

ولا أحد يعتلي ظهر المراكب الغافية في المرافئ المهجورة

من أيام نيسان وأيار

أيام الرّبيع الدافئة

كانت ماري زهرةً وحيدة

كانت تنمو وحيدة

كزهرة بنفسجٍ بين الأقاحي في الصحارى البعيدة

من يعلم شيئاً عن ماري؟

من خطا فوق أشواك تلك الصحارى وتحمّل الظمأ والقيظ

ليرى العينين الملتمعتين

تسهران لآخر الليل

كنجمتين متّقدتين في سماء تموز الصافية

ليتحسّس تلك الشفتين الرقيقتين

وهي تنشد ترانيمها القديمة

وتتمايل كأوراق زهر جُلَّنار

حين تداعبها نسمات الربيع

كما تداعب ضفيرة طفلة صغيرة

لكن غيوم الصيف مرّت وحيدة هي الأخرى

كانت تعبر سماء بيروت متجهة نحو الشرق

كنا نرمقها وهي مارّة

ونخمن أنها ستصل إلى دمشق

حيث الأهل والأصدقاء والليالي الحميمة

فنحمّلها الرسائل الطويلة عن الشوق والحنين والوحدة القاتلة

ونحن نتكئ على ضلفات الشرفات والنوافذ

وندخن لفائف التبغ ونسترجع صور تلك الأيام

ولكنها كانت تظهر لتتلاشى

والرسائل تعود إلى أصحابها محملة بالغبار وطوابع الانتظار

دون أن تفتح أو يسمع بها أحد

فانقضت جميع المواسم

دون أن تنهمر منها أية قطرة

وذبلت زهرة البنفسج وكلّ زهرة أخرى

وتطايرت أوراق جلّنار مع أعقاب السّجائر وأوراق الخريف فوق الأرصفة

وتجمعت في الزوايا المهجورة

وغادرت كقمر حزيران... كما ظهرت

وحيدةً وبعيدة.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard