حامد عبدالله في باريس معرضاً وكتاباً... محاكاة روح الشعب والأرض والأمكنة وأمزجة البسطاء والفلاحين

2 كانون الأول 2018 | 15:19

المصدر: "النهار"

الرسّام المصري الطليعي الراحل حامد عبدالله في باريس معرضاً وكتاباً.

تجربة الفنان المصري الراحل حامد عبد الله (1917-1985) تعود الى الضوء من خلال معارض وكتب جديدة. آخر هذه المعارض، الاحتفاء بأعماله حاليا في "غاليري مارك هاشم" في ساحة "دو فوج" التاريخية في حي الماريه الباريسي، ويحتوي على مجموعة تغطي المراحل الأساسية من تجربة الفنان التي تميزت بريادتها في تاريخ الفن المصري والعربي الحديث، كما تميزت بتنوع أساليبها والموضوعات التي تناولتها بين الماضي والحاضر، بين التقليد والحداثة. 

بدأت مسيرة هذا الفنان العصامي في مرحلة الثلاثينات من القرن الماضي. وهو جاء من الصعيد المصري ولم يكن سليل العائلات البورجوازية الميسورة والمنفتحة على الثقافة الأوروبية، على غرار العديد من فناني تلك المرحلة الذين كانوا يقلّدون الفن الأوروبي الكلاسيكي. منذ البداية اختار حامد عبد الله رصد الشخصيات الشعبية في حياتها اليومية. فجاءت هذه الأعمال الأولى كشهادة استثنائية اجتماعية وسياسية عن حياة المصريين البسطاء وعن الفلاحين المرتدين الجلابيب.

رسومه منفذة بخطوط متينة تختصر مدى تشربه روح عامة الشعب بعيدا من القصور وفن الصالونات خلال المرحلة الملكية. عن تلك المرحلة كان الفنان قد صرح في لقاء معه قبل أشهر من وفاته: "كنت أجول في أحياء السيدة زينب ومصر القديمة، وكنت أعجب بزخارف منازل الحجاج وهي تجسيد للفن الشعبي الذي كنت أحسده على بساطة أدائه وقوة تعبيره النافذ البعيد عن كل تفلسف. هذا الفن هو حقاً مرجعي الأول وأفخر بانتسابي إليه".

على الرغم من تعلقه ببلده وشعبه، اختار الفنان الهجرة فأقام في كوبنهاغن في الدانمارك منذ العام 1956 إلى العام 1966، وبعدها انتقل الى فرنسا حيث أقام في ضاحية سان كلو الباريسية حتى وفاته.

يبيّن المعرض كم أنه كان غزير الإنتاج، وخلال مرحلة زمنية جاوزت الخمسين عاما تنقل بين أساليب متنوعة. كان واقعيا وتعبيريا وتجريديا يستلهم الخط العربي وحركة الحروف مستخدماً الكلمات العربية كمادة وكعنصر في لوحاته. اعتبره العديد من النقاد الذين عايشوه، رائدا ومجددا في توجهاته الجمالية ومنهم الناقد المصري بدر الدين أبو غازي الذي كتب عنه: "في أعماله معالم شخصية فنية متميزة، تشربت روح مصر الطبيعة والناس والبناء، وأدركت قوانين الابداع الكبرى ومنطق التراث التشكيلي وفتحت لمن جاء بعده آفاقا جديدة من الرؤى والتعبير".

في موازاة المعرض الباريسي، صدر كتاب فخم بالفرنسية والإنكليزية عن "دار زمان للكتب" بعنوان "حامد عبد الله" يؤلف مرجعا فريدا لتجربة الفنان وللعلاقة التي نسجها بين الشرق والغرب ولرحلاته وتجواله بين المدن، ولما تميزت به حساسيته الفنية والجمالية، وذلك كله من خلال لوحاته وتخطيطاته ورسائله وأرشيفه الخاص وقصاصات الصحف والمقالات التي كتبت عنه، وبعض الصور الفوتوغرافية والبطاقات البريدية.

من الأمور التي يكشفها الكتاب، الأثر الذي تركته زيارته لجزيرة صقلية في إيطاليا حيث اكتشف الصروح التي تشهد للحضور العربي والإسلامي في الجزيرة وكيف استمر الملوك النورمان في تبني اللغة والتقاليد العربية في أزيائهم وفنونهم بعد نهاية الحكم العربي للجزيرة.

يكشف الكتاب أيضا عن مواقفه السياسية ومنها التزامه القضية الفلسطينية ومساهمته في معارض ومزادات لدعم هذه القضية في زمن كانت فيه باريس تخلو من مثل هذه الأصوات. كذلك تأثره بحال بمصر بعد هزيمة حرب العام 1967 وارتباطه بصداقة مع عدد من الفنانين الذين حملوا مثله هموم العالم الثالث ومنهم الفنان الأميركي الافريقي الراحل هربرت جنتري الذي عاش مثله متنقلا بين المدن ومنها باريس، وكان منفتحا على الثقافات والفنون غير الأوروبية بعيدا من الإرث الاستعماري.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard