عامان على تعويم الجنيه المصري... ماذا ربح الإقتصاد وأين خسر؟

8 تشرين الثاني 2018 | 17:57

المصدر: "النهار"

في تشرين الثاني 2016، قررت الحكومة المصرية تحرير سعر صرف العملات الأجنبية (تعويم الجنيه)، فارتفع رفع سعر الدولار من 8.8 جنيهات إلى قرابة 18 جنيهاً مع وعود كومية بانتعاش اقتصادي غير مسبوق، وتحسن في مستوى معيشة المواطن المصري.


وبعد مرور عامين على التعويم، لا تزال نسبة كبيرة للغاية من المصريين تشكو من تدهور أوضاعها الاقتصادية، والارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات، فيما تتباين آراء الخبراء والمتخصصين حول ما حققه تحرير سعر الصرف، وما كان يمكن أن يحققه لو أن الحكومة وضعت رؤية شاملة، واستفادت من ميزة انخفاض سعر الجنيه في مواجهة العملات الأجنبية الرئيسية.

وضاعف معاناة المصريين خفض السلطات المصرية الدعم المحروقات والسلع والخدمات التي تقدمها لمواطنيها. وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات القاسية تأتي في إطار برنامج للإصلاح الاقتصادي، بدأت تطبيقه منذ 2014، بعد سعيها للحصول على قرض تبلغ قيمته 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

التحرير بالصدمة

يقول الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية لـ"النهار": "لم أكن مشجعاً لنظام التعويم الذي تم تطبيقه، لأن نظام الصدمة الذي اتبعته الحكومة لا يتناسب مع المجتمع المصري، ومصر تستورد قرابة 70% من احتياجاتها من الخارج، بما في ذلك المواد الغذائية، والطاقة، والمعدات والآلات وغيرها، لذا حين ارتفع سعر الدولار من 8.83 جنيهات إلى قرابة 18 جنيهاً، فمن الطبيعي أن الأسعار سوف تزيد بنسبة 120%".

"ما الذي يحدث عندئذ؟" يتساءل الخبير الاقتصادي البارز، قائلاً إن "معاناة المواطنين تتزايد، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة العجز في الموازنة العامة، وأكبر مثال على ذلك هو النفط، سوف تدفع 18 جنيهاً للدولار الواحد من ثمن البرميل بعدما كنت تدفع 8.83 جنيهات، وهذا يعني أنه على الدولة أن تدبر الفارق. وتتجه الحكومة إلى إلغاء شريحة أكبر من دعم الطاقة، وهذا يزيد أعباء الناس، ويرفع الأسعار مرة أخرى، ويؤدي إلى زيادة نسبة التضخم، وهذه الزيادة تقود إلى رفع أسعار الفائدة، والحكومة هي أكبر مدين، وزيادة أسعار الفائدة سوف تظهر في صورة المزيد من عجز الموازنة".

ويضيف: "لهذا كنت من أنصار التحرير المتدرج لأسعار الدولار، وهذا الخطأ الذي ارتكبه البنك المركزي المصري استفادت منه المغرب، وقررت تعويم عملتها بالتدريج، والنتيجة أن التضخم في المغرب الآن 2.5% فقط. والتضخم وصل في مصر بعد التعويم إلى 33% وهذا لا يحدث في أي دولة في العالم".

ويوضح رئيس المنتدى المصري أنه "بالإضافة إلى هذا، فإن المستثمر الأجنبي يهرب، لأن أمواله تتآكل، وبالنسبة إلى المستثمر الداخلي يواجه كارثة، لأنه استدان بأسعار فائدة منخفضة، ويضطر إلى السداد بأسعار فائدة مرتفعة، ومن استدان بعملة أجنبية، يواجه كارثة أكبر، لأنه اقترض بسعر منخفض، وحين يدبر العملة لسداد مديونيته، يشتريها بضعف ثمنها، ولهذا أغلق عدد كبير من الشركات، ومن تبقى في السوق أصبح يعاني".

ويشير عبده إلى أن "البعض يقول حالياً، إن هذه أزمة ومرت، والتضخم الآن يتراوح ما بين 10 و12%، وهذه مغالطة، لأن قياس التضخم يعتمد على المقارنة بين أسعار السنة الحالية والسنة الماضية، وليس بسنة التعويم. ولو قسنا بسنة التعويم سنجد أن التضخم حاليا يصل إلى قرابة 45% وهذا يمكن أن يشعر به المواطن الذي يضطر إلى رفع نفقات أسرته إلى أكثر من الضعف، لأنه يشعر بمدى الغلاء".

ويوضح الخبير الاقتصادي أن "انخفاض سعر العملة المحلية يشجع السياحة، لأن السائح الذي يأتي بالدولار يشتري الجنيه بسعر رخيص. لكن السؤال: هل السائح لم يعد يأتي لمصر بسبب ارتفاع سعر الجنيه؟ بالطبع لا. إنه يحتاج إلى الشعور بالأمن والأمان والخدمات الجيدة".

"والأمر الآخر هو الاستثمار" يقول عبده، مضيفاً: "يفترض أن يأتي المزيد من المستثمرين، لكن المستثمر يحتاج إلى بيئة استثمارية جيدة، وإجراءات إدارية ميسرة. وكذلك الصادرات، لأن انخفاض سعر الجنيه يتيح لمن يملك العملة الصعبة أن يشتري الكثير من السلع. لكن ما حدث أن الكثير من المصانع أغلقت، ولم يعد لدينا الكثير لنصدره".

مزيد من الوقت

وترى الدكتورة يمنى الحماقي رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة في جامعة عين شمس أن "الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت لجني ثمار تعويم الجنيه"، وتقول لـ"النهار": "هذا يرتبط بأن يكون لدينا خطة واضحة، وتحديد القطاع الذي سوف يقود مسيرة نهوض الاقتصاد المصري، لهذا، علينا أن نحدد القطاعات التي لدينا فيها ميزة نسبية، ثم نحول الميزة النسبية إلى ميزة تنافسية، ومن وجهة نظري القطاع الصناعي هو المرشح لهذه المهمة".

وتضيف: "تعمل وزارة التجارة والصناعة المصرية، حالياً على زيادة المكون المحلي، وهنا ثمة شقان، الأول يتعلق بالصناعات المكملة، التي تغذي الصناعة الرئيسية، والثاني يتعلق بعملية تصنيع المنتج النهائي، وجعله قابلاً للمنافسة في الأسواق المحلية والعالمية. ومع تحرير سعر الصرف، انخفض سعر الجنيه، وبالتالي ارتفعت تنافسية الإنتاج. ويفترض أن نعمل على هذا، وننتج للتصدير".

"ومن جهة أخرى، يجب أن يتم اختيار صناعات محددة تتمتع مصر فيها بميزة نسبية" تقول الأستاذة الجامعية، مضيفة :" لدينا ميزة نسبية بحسب دراساتنا في صناعة الملابس الجاهزة، والصناعات الغذائية، وصناعة الجلود، والأثاث، وحتى بعض الصناعات الهندسية، ولهذا نستطيع أن نحدث نقلة كبيرة في تلك المجالات".




وترى "أن الحكومة بحاجة إلى رؤية واضحة لمستقبل تلك الصناعات. فصناعة الملابس الجاهزة توفر فرص عمل كثيرة ليس فقط للطبقة المتوسطة، ولكن أيضاً للطبقة الفقيرة، ومن المهم أن تضع الحكومة في حساباتها أن الصناعات يجب أن يكون لها بعد اجتماعي يؤثر في الطبقات الاجتماعية المختلفة، وخاصة أن لدينا مشكلة كبيرة في مصر تتعلق بعدم العدالة في توزيع الدخل، وعلى الحكومة أن تركز على حل هذه المشكلة لأنها في غاية الأهمية".

وتضيف أن "التركيز على التصدير مهم للغاية، لأننا لو نظرنا لمعدل زيادة الصادرات خلال الفترة الماضية سنجده ضعيفاً للغاية، مقارنة بإمكاناتنا وقدراتنا. وهناك تحركات جيدة في مجال دعم المشاريع الصغيرة، لكن من المهم أن يحدث هذا في إطار رؤية شاملة للدولة حتى تصل إلى النتيجة المرجوة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard