جاين فوندا: أنتمي إلى قافلة طويلة من المحبطين في أميركا

23 تشرين الأول 2018 | 19:05

المصدر: "النهار"

جاين فوندا خلال استلام جائزة “لوميير ٢٠١٨” في ليون. (تصوير جان لوك ميج).

"النجومية لا تعني لي الكثير. لا أعرف ماذا تعني. هذا كلّ ما لديَّ ان أقوله في هذا الشأن"...

بكلمات مقتضبة تردّ الممثّلة الأميركية جاين فوندا على سؤال يستهل به تييري فريمو اللقاء الحاشد الذي جرى يوم الجمعة الفائت في مسرح "سيليستان" في ليون، على هامش الدورة العاشرة من مهرجان لوميير. فوندا هي المكرّمة في هذه الطبعة الاحتفالية. تعود إلى ليون بعد غياب ٥٠ سنة لتتسلّم الجائزة الكبرى. اكتست جدران المدينة الساحرة ملصقات تحمل صورتها. في الندوة، لا تخفي فوندا غبطتها. تتكلّم عن عشائها في مطعم بول بوكوز، أشهر طبّاخي فرنسا. عشيّة اللقاء فاجأت المشاهدين: من دون اعلان، وصلت إلى الصالة حيث يُعرض "عودة إلى الديار" (١٩٧٨)، فيلم هال أشبي الذي فازت عن دورها فيه بـ"أوسكار" أفضل ممثّلة، والذي يجسّد ذورة "تورّطها" في موجة الإحتجاجات ضد حرب فيتنام. صالة معهد لوميير حيث يجري بعض من عروض المهرجان، كانت مكتظة حدّ ان كثراً افترشوا الأدراج بين الكراسي. أُمطرت بالهيصة والصفير. روتكيف ان فيلماً بموازنة لم تتعدّ الثلاثة ملايين دولار ترشّح لتسع جوائز "أوسكار". بدت حكيمة، "نجمة" من زمن سينمائي مضى، ولكن لم يخفت ضوؤها.

الاستماع إلى فوندا وهي تتكلّم عن سيرتها، "أورغاسم" للأذن، وخصوصاً انها تعرف كيف تمدّ جملها بالإيقاع والأداء المطلوبين. أبهرتنا طوال أكثر من ساعة، وهي تستعيد لحظات من الماضي، ببضع جمل بالفرنسية التي تتقنها، مع هبوط اضطراري إلى حضن الإنكليزية عند الحاجة. أمسكت الصالة بقدرتها على التعبير الصريح عن أفكارها، من دون إغفال الدعابة التي استهدفت أحياناً ذاتها. وضعت الجمهور في حالة "ترانس"، ثم أُجبِرت على الصراخ ممازحةً: ما بالكم تنامون؟!

حضر طيف والدها، هنري فوندا، طوال اللقاء. علاقتها بعملاق السينما الأميركية لم تكن سهلة دائماً. رؤيته يعود إلى البيت في حالة بائسة لم تشجّعها على اقتفاء خطاه في البداية. "والدي كان ممثلاً كبيراً، ولكن عندما كان يعود مساءً إلى البيت، لا يبدو سعيداً. تربّيتُ على فكرة ان التمثيل لا يمكن ان يجلب السعادة. والدي كان دوماً سيئ المزاج. لم أنجذب إلى هذه المهنة، ولم أكن أحبّ أصلاً لا وجهي ولا جسدي، وكنت خجولة. ولكن في المقابل، لم أكن أعرف ماذا أفعل في حياتي. حاولتُ ان أكون سكرتيرة، لكنني طُردت. فشلتُ حتى في السكرتاريا. صعب جداً ان تكون صغيرة السنّ. العمر شيء رائع. أسهل بكثير".

جاين فوندا تتسلّم جائزة “لوميير ٢٠١٨” من كوستا غافراس.

اختارت فوندا التمثيل، لأنها كانت في حاجة إلى مال. بهذه البساطة، كان الدافع محض معيشي. تتذكّر: "كنت أعيش في بيت والدي، وكانت زوجته لا تحبّني كثيراً. أمهلتني خمسة أشهر كي أجد مسكناً. فكان عليَّ ان أتدبّر أموري. كنت أعرف ابنة استاذ التمثيل العظيم لي ستراسبرغ، فاقترحتْ ان يدرّسني. مثّلتُ مشهداً له، فأكّد لي انني موهوبة (تصرخ فرحاً). في هذه اللحظة، كلّ شيء تغيّر. كأن قُطِع رأسي وبدأت تحلّق منه الطيور. حينها، أدركتُ انني أحبّ التمثيل فعلاً. كنت في حاجة لشخص غريب لا يمت إلى عائلتي بصلة،يعترف بموهبتي كي أصدّقه".

بكت فوندا عندما ربحت الـ"أوسكار" عن "كلوت" (١٩٧١) لآلان ج. باكولا. لأنها ربحت الجائزة المهيبة قبل والدها الذي أنجز، كما تقول، أفلاماً كبيرة مثل "عناقيد الغضب" لجون فورد و"١٢ رجلاً غاضباً" لسيدني لوميت. فوزها تلقّته كظلمٍ لحِق به. في تلك المرحلة من حياتها، لم تكن تدرك بعد أهمية التمثيل. إلى ان أصبحت ناشطة وكادت تعتزل. قبل ان تلتقي بـ"شخص ذكي جداً" قال لها: لا، لدينا الكثير من المنظّمين ولكن ليس لدينا نجوم سينما. فراحت تستثمر في إنتاج الأفلام التي مثّلت فيها. ولم تتحوّل المهنة إلى شغف دائم الا عندما بدأت تعمل في الإنتاج، خصوصاً مع "عودة إلى الديار".

صورة فوندا الشهيرة في فيتنام.

تقول فوندا في وثائقي عن سيرتها، "جاين فوندا في خمسة فصول"لسوزان لايسي، عُرض في المهرجان، ان حواراً لها مع سيمونّ سينيوريه غيّر كلّ شيء. بحنين واضح، ترفع رأسها قليلاً وتتذكّر: "كانت أيار ٦٨. كنت في باريس. كنت حاملاً. المرأة الحامل كالإسفنجة. أشياء كثيرة كانت تحدث في باريس. رأيتُ حتى جنوداً أميركيين هربوا من فيتنام ولجأوا إلى باريس. سيمونّ سينيوريه كانت تأتي لتأخدني إلى تظاهرات يشارك فيها سارتر وبوفوار وغيرهما. هكذا بدأتُ أعي ضرورة معاداة الحرب. حتى روجيه فاديم الذي لم يكن يكترث لشيء كان ضد الحرب. في أحد الأيام، ذهبتُ إلى الريف حيث تقيم سيمونّ، طرقتُ باب بيتها، ففتحتْ وقالت: "كنتُ في إنتظارك". جلسنا وأعطتني درساً. بعد هذا، انفصلتُ عن فاديم (ضحك). عدتُ إلى الولايات المتّحدة كي أصبح ناشطة. قبل هذا التاريخ، لم أكن أهتم بشيء. كم من السهل ان تكون جاهلاً. ولكن عندما تعلم، لا يعود مسموحاً ان تدير ظهرك. فأنا كنت جاهلة عمداً لفترة طويلة".

تتحدّث فوندا عن الرجال الذين عرفتهم في حياتها، بعنفوان وطيبة، كأمّ مجبرة على تحمّل أطفالها وشقائهم. عددهم خمسة: أب وشقيق (بيتر فوندا) وثلاثة أزواج. هي الفيمينيست التي لا تكره الرجال، لم يساهم مرور الزمن في تهدئة معاركها ضد السلطة الأبوية، إنما في تهذيبها وتنقيتها والحدّ من استعراضيتها. تقول مراراً بأن على الغضب ان ينزل على السلوك، لا على صاحبه. حرصاً منها على عدم التحوّل إلى وحش وهي تحارب الوحوش.

تعرّفت فوندا إلى روجيه فاديم في فرنسا، وطنها الثاني، كما تقول. "كان خلال حفل في منزل صديق مشترك، ولم يكن كما توقّعتُ: وجدته حميمياً كـ"حذاء قديم". علمّني أغاني. (تغنّي). كان ساحراً. وقعتُ في غرامه. والباقي تاريخ… قبل ذلك، كان اقترح عليَّ دوراً في "الدائرة". فقلتُ لمدير أعمالي: مستحيل ان أعمل مع فاديم. مستحيل! شاهدتُ أفلامه مع باردو، ولكن ليس لهذا السبب. "بارباريللا” أغوى المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين الـ١٤ والـ١٥. الوعي على الجنس، الخ. وأنا فخورة بهذا. في البداية، لم أحبّ الفيلم. صادف خروجه إلى الصالات مع الفترة التي بدأتُ أتحول فيها إلى فيمينيست. عدتُ إلى أميركا، والصحافيات النسويات بدأن بمطاردتي بأسئة مثل: ألا تخجلين ان تشاركي في فيلم يشيّئك؟ اعتقدن انني أُرغمتُ على تصوير الفيلم. لا أحد أرغمني! أنجزته بكامل إرادتي. لكنني شعرتُ بالعار. الا انه مع التقدّم في السنّ، أشاهده ويسلّيني. كان الشغل مع فاديم "سكسي" جداً. كان يحلو له ان يدفعني في حضن ممثّلين آخرين وأنا عارية. كان يعشق ذلك. نصفه روسي، وهذا يعني انه جدّ معقّد".

في رأي فوندا ان فيلم "إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟" (١٩٦٩) لسيدني بولاك المقتبس من رواية لهوراس ماكوي كان منعطفاً في مسيرتها. أول فيلم لها "يقول شيئاً"، وتحديداً عن المجتمع الاستهلاكي الأميركي. "كان الناس في تلك الفترة مستعدّين ليموتوا من أجل قطعة من الحلم الأميركي. فاديم نصحني وقتها بأن أنكبّ على المشروع لأن الرواية التي يستند اليها الفيلم كانت جدّ معروفة في فرنسا. كونه ممثّلاً، كان سيدني بولاك يعلم جيداً كيف يشتغل مع الممثّلين. أنا كممثّلة، أحبّ ان يديرني المخرج. أشعر بأنني عجينة بين يديه. كلّ مخرج يقارب الممثّل بطريقة مختلفة. فرد زينمان مثلاً يعيد بالكاد مرتين. لكنه كان عبقرياً".

بفخر شديد، تتحدّث فوندا عن انخراطها في النضال السياسي من أجل التغيير أو الاستحصال على الحقوق المدنيّة أو الوقوف ضد الحرب. تحكي عن رحلة إلى فيتنام لا تزال آثارها ماثلة في وجدانها الحيّ، وقلبها يعتصر ألماً عندما تذكر حادثة الصورة الشهيرة التي التُقِطت لها وهي في حضن "العدو"، فاعتُبرت خائنة لوطنها: "كثر في الولايات المتّحدة، لا يعرفون ان مئات الأميركيين ذهبوا إلى فيتنام احتجاجاً. حدث هذا في ربيع العام ١٩٧٢، والسبب الذي دفعني إلى الذهاب هو اننا تلقينا تقارير من ديبلوماسيين أسوجيين وفرنسيين وغيرهم ان مدرعات أميركية كانت ستستهدف بعض المناطق في شمال فيتنام حيث يعيش المزارعون الفقراء. لو حصل، لمات الآلاف! فقرّرتُ ان أذهب إلى هانوي لإثارة بعض الضجّة. القصف توقّف بعدها بأشهر، وهذا ما يشعرني بفخر. ذهبتُ وحدي. أستطيع الحديث عن تلك الرحلة لساعات. كانت أغنى تجربة في حياتي. اليوم، يزور الأميركيون شمال فيتنام ويستغربون كم الناس طيبون! كنت هناك تحت القصف الأميركي وكانوا قمّة الطيبة. الا انه في اليوم الأخير لإقامتي التي دامت اسبوعين، أُقيمت حلفة فطُلب إليَّ الحضور وتمّ التقاط صور لي على مدفعيّة فيتنامية كانت تستهدف الطيران الحربي الأميركي. نشرت الصحف عناوين مثل "بارباريللا على ظهر مدفعية"، الخ. لم يعجبني البتّة. سأذهبُ إلى حتفي وأنا نادمة على ما فعلتُ. (…) في فترة معينة، رفضت الاستوديوات التعامل معي. كانت مرحلة صعبة من حياتي. ثم كلّ شيء عاد إلى طبيعته. لأننا في النهاية في بلد اسمه الولايات المتّحدة. كان هذا في عهد ج. إدغار هوفر، رئيس مكتب التحقيقات الفيديرالي. كانوا يتجسّسون عليَّ! والغريب إنني الآن أدعم الـ"أف بي أي"، اذا تتوخون ما أقصد. كانوا أعدائي آنذاك. الـ"أف بي أي" علمّتني ان أكون متعنتة. أردتُ ان أؤكّد لهم انني لستُ الفتاة التي كانوا يعتقدونني. لاحقتُهم قضائياً وفزتُ. هناك شيء اسمه "الإتّحاد الأميركي للحريّات المدنية". نعم، لدينا هذه الأشياء في أميركا. للمناسبة، هذا كلّه مهدد اليوم في عهد ترامب".

"ماذا عن الثمانينات والتسعينات؟"، يسألها تييري فريمو، فترة الانحسار في حياتها المهنية… "في الثمانينات، كنت في أواخر الأربعينات من عمري، أعاني من انقطاع الحيض. تلك أصعب السنوات عند الكثير من النساء. الهورمونات تتغيّر، لا نعود نعرف مَن نحن، ولا ما نفعل. فانزويتُ بصمت، خلف الجدران. كنت أنتبه جداً للأفلام التي أشاهدها، وللأصدقاء الذين أمضي معهم الوقت. لم أكن في حالة جيّدة. كنت مستعدّة ان أعتزل السينما لأصبح ناشطة. ولكن سيداً يُدعى تد ترنر طرق بابي. ألمع وأظرف رجل عرفته في حياتي. هل لديكم محطّة "ترنر كلاسيك موفيز" في فرنسا؟ هذه المحطة له. اشترى الـ"أم جي أم" كي يحصل على حقوق الأفلام ويعرضها. في "أول ضهرة" لنا، قال لي: كنت صاحب الـ"أم جي أم" لفترة وجيزة حدّ انني لم أستطع الافادة حتى من الكاستينغ كاوتش (ضحك)".

في المحصّلة، ترى فوندا التي ظهرت في نحو خمسين دوراً على الشاشة، تحت إدارة سينمائيين مثل نورمان جويسون وآلان ج. باكولا ومارتن ريت، ان نشاطها النضالي جعل منها ممثّلة أفضل، وهذا رأي يحتمل نقاشاً في طبيعة الحال. ولكن يصعب عدم الموافقة على كلامها عندما تقول: "مشكلة الكثير من الممثّلين انهم يعيشون داخل جدران من الامتيازات. علينا ان نتعلّم ان ننصت إلى الآخرين، هذا أهم شيء اليوم في الولايات المتّحدة. علينا ان نستمع إلى الآخر الذي لا نتّفق معه ونحاول ان نفهم حججه. السلوك السيئ هو لغة الناس الذين تعرّضوا لتروما؛ علينا ان نكره السلوك لا الشخص. والا أكلتنا الكراهية".

في أغرب تصريح لها خلال اللقاء، ترى فوندا انها تنتمي إلى قافلة طويلة من الناس المحبطين والكئيبين في أميركا. تطلّب منها الكثير من الوقت لتجاوز هذه الفكرة والقبول بها كأمر واقع. أما عن كونها ممثّلة "منهجية"، فهذا ما تقوله: "استعملتُ منهج ستانيسلافسكي. أحاول ان أتكيّف مع الشخصية: الولادة، الطفولة. كلّ شيء. في "كلوت"، وجب عليّ ان أسأل نفسي لمَ سيدة تمتلك موهبة تبيع جسدها. فاكتشفتُ انه تمّ استغلالها جنسياً في طفولتها. هناك شلاّل من الأشياء التي تلي تروما كهذه. ما إن أدركتُ هذا، كلّ شيء وُضع في محلّه. لذا، أحاول دوماً ان أبني حياة خلف الشخصية. أهم شيء تعلّمته من ستراسبرغ هو أهميّة الاسترخاء في التمثيل".

تشعر فوندا بأنها محظوظة لأن لديها وظيفة ثابتة، أي التمثيل، وهي تجاوزت الثمانين. قبل انتخاب ترامب، كانت تعتقد انه ربما آن الآوان لترتاح. كأن تهتم بحديقة منزلها أو تتفرّغ لكتابة رواية. ولكن غداة فوزه بالرئاسة، تبخّرت هذه الأحلام كلها، بل أصبحت مستحيلة، كما تصفها. "الشيء الإيجابي الوحيد في انتخاب ترامب، هو انه للمرة الأولى، كثر جداً في أميركا انتبهوا إلى أيّ حدّ العنصرية جذورها ضاربة في الأرض، وتمارَس علناً لا باطناً، وكم ان ديموقراطيتنا مهددة. لذا، فنحن الآن نشيطون كما لم نكن يوماً. لأجل هذا أقول: "شكراً سيد ترامب". أمّا الوثائقي الذي أُنجز عنّي أخيراً، فيؤكّد للشباب انه يمكنهم ان يناضلوا من أجل حقوقهم ويبقوا على قيد الحياة. ولكن مهلاً: صحيح أنني بقيتُ على قيد الحياة، ولكنني: بيضاء، غنيّة، ومعروفة. هذه ليست حال الجميع".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard