متحف "نابو" يُحيي حضارات الشرق... منصّة حوار في الفنّ والثقافة والتاريخ (صور وفيديو)

19 تشرين الأول 2018 | 17:51

المصدر: "النهار"

متحف "نابو" يُحيي حضارات الشرق.

بدخول متحف نابو منطقة "الهري"، أجمل نقطة بحرية مستدفئة ومحتمية بجبل رأس الشقعة يرد عنها عتو الرياح، تتحول المنطقة إلى حالة جديدة من الألق، فتستكمل المشهد الطبيعي حيث تلامس موجات البحر المتهادية أقدام الرواد، بنعومة وهدوء، تزيد من جمال الشاطئ، وتغنيه بتنوع من الآثار والفنون، جامعة الطاعن في القدم، مع الحديث الراقي.

حالة جديدة وفريدة تشهدها الهري مع "نابو"، تجذب الرواد، والسياح، من مختلف أنحاء لبنان والعالم، في الفترة التي يبدأ البحر فيها بالاقفال مختتما موسم الصيف، والترفيه البحري.

كأن "نابو"، المتحف الأثري والفني الحديث، جاء من أطراف الشرق الأدنى، حاملا عبق الحضارة الانسانية الأولى، في سومر، وأكاديا، وبلاد الرافدين، متلاحمة ومتفاعلة مع تدمر وفينيقيا، ليطل على العالم من نافذة بحر الهري، في خيار ذكي، ومدروس، وليخاطب العالم داعيا للسلام، والهدوء، والجمال الذي يزخر المتحف به، آثارا، ولقىً، وتراثيات، ولوحات فنية لكبار فناني المشرق، من العراق وسوريا ولبنان.

السكان القلائل في الهري يستبشرون الخير بالمتحف الذي سيحيي المنطقة، وهو لما يزل في إطاره الأول، غير مكتمل العناصر.

في نقطة تبدو منعزلة أسفل جبل رأس الشقعة، أقام جواد عدرة متحفه "نابو"، وهو متيقن أن النقطة غير منعزلة، ويرد مستغربا على تساؤل بالقول: “منعزلة؟ وهي على بحر المتوسط؟ منعزلة وهي بين قرى عامرة؟ منعزلة وهي بضعة كيلومترات أو أكثر عن طرابلس والبترون وجبيل والكورة وزغرتا وبشرّي وعكار؟ وساعة واحدة من بيروت؟

ويضيف: “آلاف الزوار جاؤوا الى المتحف في أقل من شهر واحد. الأحد الفائت على سبيل المثال، زار المتحف ٢٨٠ شخصا. عائلات مع أطفالها يقولون لنا أن هناك فسحة أمل.

بني المتحف في العام ٢٠١٨، وتم افتتاحه في ٢٢ أيلول المنصرم، ويفيد عدرة في حديث لـ"النهار" أن "معرض "قرون من الإبداع" فهو لبضعة أشهر، وسنقوم بتنظيم معرض في ربيع ٢٠١٩”.

وعن فكرة المشروع، رأى أن "حالة التردي في مجتمعاتنا تستدعي العمل لنقول أن في هذه البلاد المثيرة غير الحروب، والتفاهات، كما أن هناك الكثير من الإبداع وبعض من أمل، فلا بد للانسان من أن يخدم”، متسائلا: “ماذا يتوخى الانسان حين يخدم مجتمعه والإنسانية؟".

ويرى عدرة في الجديد الذي يقدمه "ابداع عصري يحاكي ابداعات الماضي، ويبني عليها، ويطور في بلاد هي مهد الحضارة، تقول لا لصراع الحضارات”، كما يعتقد أن "الفن والإبداع واحد في القديم والجديد، والتواصل بينهما واضح. فتراثنا من إبلة وبابل وصور وصيدا وجبيل وطرابلس وتدمر وبعلبك ويافا حي ومستمر”.

المتحف

يطل على الطريق العام بناء أشبه بصندوق مكعب مقفل، يقبع بين مجموعة من الشاليهات الشهيرة والعريقة، مبني من الحديد المغطى بالصدأ، ويرجح أن المعدن الذي بني المتحف منه أن يكون مقاوما لرطوبة البحر، وملوحة مياهه.

لا يستدعي الصدأ الذي يغطيه أي نوع من الطلاء، فهو بني، يلفت نظر أي عابر سبيل، مدخله عادي لجهة الطريق العام، لكن عند ولوجه، ينفتح على واجهة زجاج كاملة ممتدة على عرض المبنى، وعلى الاثنتين من طبقاته اللتين تعلوان الأرض.

تنفتح الواجهة على البحر، وبالتالي على العالم، لتلقي خطابا كامنا في معروضات المتحف، إن في ما بناه الانسان من حضارة مشرقية، متفاعلة مع الرومانية واليونانية، لتشتم منها رائحة هيللينية مؤملة بازدهار استيعادي لحقبة غنية سادت المنطقة في عصور سابقة، أم في ما قدمه كبار الفنانين والمفكرين المحليين من إرث فني وثقافي كبير.

المتحف ثلاث طبقات، واحدة سفلية، واثنتان فوق الأرض، الأولى تعلو مستوى البحر بما لا يزيد عن المتر. لا ضرورة هنا لأكثر من ذلك، فأعتى "تسونامي" في الهري لا يرتفع مترا بأمواجه.

في الطبقتين الأولى والثانية، تتوزع المعروضات المتداخلة بين الحديث والقديم، والبداية تحية من نصب للاله "نابو"، إله الكتابة والحكمة في بلاد ما بين النهرين، يقوم على يمين المدخل، ثم تتقدم اللوحات الفنية، وقبالة كل منها واجهة لنصوب وتماثيل وآثار متراوحة بين الرومانية والسومرية، وما بينهما التدمرية.

اللوحات لفنانين عرب، منهم المحدّثون كجميل ملاعب، وإيفيت الاشقر، وأحمد المعلا، وهيلين الخال، ورفيق شرف، وسمير الصايغ، واسماعيل فتاح وسواهم كثر، ومنهم الأقدم قليلا مثل جبران خليل جبران، وصليبا الدويهي، وشاكر حسن آل سعيد، وفاتح المدرس وسواهم.

أما المعروضات الأثرية، فهي مسمارية، وسومرية، وبابلية، ومسلات فينيقية، تراوح تواريخها ما بين الألف إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتشير المعروضات بخطوط عريضة على أنماط الحياة التي سادت في مختلف حقب التاريخ المشرقي، ومنها ما يعود إلى القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.

كما تأسست في المتحف مكتبة تضم العديد من الكتب الفنية، والأثرية، والتاريخية، وما يتعلق بحضارات الشرق المختلفة، ومخطوطات نادرة.

في خلفية المتحف، أمل في أن يكون مساحة للعرض والعمل والسكن، وإطار للحوار البناء، وتشجيع على إنتاج المزيد من الأعمال الفنية. كما يسعى المؤسسون إلى تشجيع الممارسات الفنية، وان يكون المتحف أيضا منصة للقاء والتبادل الثقافي.

عن مصادر المعروضات، فهي وفق عدرة، "من مجموعات خاصة جمعت بتأنٍ من عشرات السنوات، ومن مزادات يقول عدرة إننا "استعدنا منها آثار بلادنا، وكل عمل فني مميز يكتسب أهمية لجماليته حينا، ولظروف إنتاجه احيانا اخرى”.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard