استغلال ثروة الطاقة في لبنان مثل حكاية إبريق الزيت

10 أيلول 2018 | 13:02

المصدر: "النهار"

حكاية إبريق الزيت (تعبيرية).

كان لبنان موعوداً هذا العام بانطلاقة ملف الغاز والنفط بعدما أعلن عنه في آخر العام الماضي الوزير سيزار أبي خليل. وقريباً يكون قد مضى عشر سنوات على اكتشاف هذه الثروة الوطنية والتي يعوّل عليها لكي تساهم في تخفيض الدين العام وتمويل مشاريع إنمائية ملحة.

ولكن لا تحرّك قريباً يلوح في الأفق.

ملف النفط مطروح منذ 2009 والدول والشركات العالمية تتابع باهتمام استثمارات النفط والغاز في شرق المتوسط. أمّا الحكومة اللبنانية فقد أهملت الأمر طويلاً فيما الطبقة السياسية انشغلت بالمحاصصة. بعد عشر سنوات بات لبنان الدولة الوحيدة غير المتلهّفة إلى حماية ثروتها واستثمارها. صحيح أنه منذ 2011 عملت وزارة الطاقة على الملف وجهزّت هيئة إدارة قطاع النفط مراسيم ودفتر شروط لعقد اتفاقيات. ولكن خلافات الطبقة السياسية عرقلت الخطوات ومنعت مجلس الوزراء من انجاز الملف. وعندما أُنجزت مسودات المراسيم طالعتها حكومة نجيب ميقاتي وأعادتها لتصحيحها وسدّ ثغرها. ولكن هيئة النفط ماطلت حتى استقالت حكومة ميقاتي في مطلع 2013. وبعدما امتنعت حكومة تمّام سلام عن إقرار المرسومين عام 2013، إذ بسحر ساحر في 4 كانون الثاني 2017، أقرّت حكومة سعد الحريري المراسيم واستدرجت عروض شركات وأعلنت أسماء شركات فائزة. ومنذ الانتخابات البرلمانية قبل شهور البلد معطل بدون حكومة جديدة ولا تبدو متابعة جدية لهذا الملف الحيوي.

ونستعرض هنا أسباب ضرورة التعامل السريع والحاسم مع هذا الملف الذي لا يحتمل التأخير لأنّ عوامل عدّة قد تحرم لبنان في نهاية الأمر من الاستفادة من ثروته.

أولاً، منذ العام 2009 ظهرت توقعات متفائلة أنّ حصّة لبنان من حقول شرق البحر المتوسط قد تصل إلى 300 مليار دولار، أو ما يفوق بأضعاف الدين السيادي اللبناني البالغ 90 مليار دولار (دين الحكومة فقط 79 ملياراً). وفي العام 2010 أعلن وزير الطاقة آنذاك جبران باسيل بحماس أنّ "لبنان دخل فعليّاً مرحلة التنقيب عن الغاز"، وأنّ المسح في الجنوب كشف عن مكمن غاز سعته 12 تريليون قدم مكعبة ما يكفي "لبنان لانتاج الكهرباء لمدة تسعة وتسعين عاماً". وأشارت دراسات إلى وجود 700 مليون متر مكعب من الغاز في المنطقة الخاصّة بلبنان واحتمال وجود 4.2 مليارات برميل من النفط في المياه اللبنانية. وأصابت لوثة الحماس أيضاً هيئة إدارة قطاع النفط في لبنان، حيث أعلنت أنّ قسماً من هذه الثروة كفيل بتوفير الطاقة للبنان 24/24 ساعة لمدّة عشرين سنة.

إلا أن الوصول إلى استثمار هذه الثروة لا يزال معلقاً في لبنان فيما الشركات العالمية بدأت العمل منذ 2010 في شرق المتوسط وبخاصة في إسرائيل وقبرص ومصر. ولبنان مارس التقصير ولم يولِ اهتماماً يليق بحجم الثروة المكتشفة. أمّا اسرائيل فقد مضت قدماً في استغلال حقول الغاز والنفط حتى إنها يدها امتدت على حصّة لبنان. ففي 17 كانون الاول 2010، اتفقت اسرائيل وقبرص على تحديد منطقتيهما بشكل يتنافى مع منطقة لبنان. فاعترض لبنان وأرسل ترسيماً إلى الامم المتحدة كشف أنّ اسرائيل تسرق مساحة 860 كيلومتراً مربعاً من لبنان. وكان على لبنان أن يلي رسالته إلى الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات قانونية حازمة للمحافظة على حقوقه ولكنّه لم يفعل.

وفي 17 آب 2010 – أي بعد 8 شهور، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون التنقيب في الوقت الذي أعلنت اسرائيل عن اكتشاف حقل "ليفييثان" الذي جعلته يشمل حصّة لبنان من الحقل، وهدّدت باستعمال القوة ضد لبنان. ولم يصدر عن الحكومة اللبنانية أي ردّ فعل، ولم تلجأ على الأقل إلى قانون البحار الدولي.

ثم أخذت اسرائيل توقّع العقود لاستثمار حقلي تامار وليفيَيثان وبدأت إنتاج الغاز في 2012. كما أنّ مساهمة شركات عالمية في التنقيب والإنتاج من حقلي كاريش وتانين القريبين من بلوكات 8 و9 اللبنانية زادت من إمكان سرقة اسرائيل غاز لبنان بالحفر أفقياً تحت الماء.

جذبت ثروات شرق المتوسط اهتمام الشركات العالمية، وأخذ حلف طاقة يتمظهر بين مصر وقبرص واسرائيل لتصدير الغاز الى أوروبا مما هدد بدفع لبنان خارج خريطة الطاقة الاقليمية. وهنا الخطر أن يؤدّي تدفّق الغاز الروسي وغاز وسط آسيا وغاز إيران إلى هبوط أسعار الغاز إلى مستوى متدن، ولبنان لا يتحرك فتصبح كلفة استخراج الغاز اللبناني مرتفعة. وعندها يبقى غاز لبنان في أعماق البحر ولا يُستخرج. ولذلك فإنّ تلكؤ لبنان عن التحرك يعرّضه للسرقة من اسرائيل أولاً وإلى خسارة قيمة ثروته ثانياً. إذ رغم اختزانه كميات ضخمة، لا يزال لبنان غائباً عن السوق ويبدو أنه ليس معنياً بكل ما يحصل حوله.

والدرس الثالث للبنان هو أنّ ما في قعر البحر قد يكون أقل من التوقعات وأنّ كلفة استخراجه وبيعه قد تكون أعلى من المتوقع.

إنّ بطء الحكومة اللبنانية سيؤدي فعلاً إلى تراجع قيمة الثروة اللبنانية. فحالياً تقدّر ثروة لبنان من الطاقة بمبلغ 80 إلى 140 مليار دولار وليس 300 ملياراً كما كان متداولاً عام 2009. فقد بيّن مسح 50 في المئة من المنطقة اللبنانية عن حقل جنوبي يحوي 12 تريليون قدم مكعب من الغاز قيمتها 41 مليار دولار. ومع افتراض أن نصف المساحة الآخر يحوي الكمية نفسها، فإنّ ثروة لبنان قد تكون 82 مليار دولار. وحتى ممثّل لبنان إلى مجلس الطاقة العالمية رودي بارودي ذكر أنّ ثروة الطاقة اللبنانية لن تزيد على 100 مليار دولار. وحتى لو كانت حصّة لبنان هي ثلث كميات حوض شرق المتوسط، فقيمتها لن تفوق الـ 141 مليار دولار. وسواء كانت قيمة الثروة هي 80 أو 140 ملياراً، فريع لبنان الصافي سيكون نصف هذه التقديرات (أي بين 40 و70 ملياراً) ذلك أنّ كميات الغاز اللبناني موجودة على عمق 2150 متراً وعملية استخراجها صعبة ومعقّدة وتتطلّب الوقت والمال.

ولذلك وبسبب تأخّر الحكومة ستصبح كلفة الاستخراج للبنان خلال سنوات قليلة أعلى من سعر الغاز في السوق الأوروبي، والمطلوب التحرّك بسرعة. هذا في وقت يبدو أن بدء الحفر والاستخراج سينتظران حتى العام 2023 وربما 2025.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard