"السّاطع وليس في الضوء" لجورج شكرالله: الشعر يغذّي تجريبية فكّ معادلات العالم والذات

7 أيلول 2018 | 16:28

المصدر: "النهار"

"السّاطع وليس في الضوء" لجورج شكرالله.

لمجرّد الاحتكاك مبدئياً بنصوص جورج شكرالله، صاحب "صدى الأعماق" و"عذاب وانتظار" و "رقصة في العواصف" و"قمر الزمان والليل" و"الصراع والأزمنة" و" تحت الثلج" وغير ذلك من الإصدارات الوازنة في المشهد الإبداعي العربي، تلبسك شهوة الاسترسال دونما ملل في مطالعة المزيد ممّا راكمه هذا الألمعي ضمن حدود مشروع موسوعي قيم وثري يصون له هويته الشعرية كصوت استشرافي، ويضفي على عوالمه المسكونة بروح السؤال الفلسفي والوجودي، طابع الفرادة وخصوصية البصمة.

ينفتح شكرالله على تجربة إنسانية بامتياز تتجاوز الإشكالية الأجناسية، وتذود بتوجه الأشكال الكتابية متنوعة ليصوغ فسيفساء البوح المفتون بمعاني اللغة الجديدة القادرة على إدهاش الذائقة وإحراج العقل.

من خلال شعره، تهفو نفسيتك المثقلة بإرباكية طقوس التلقّي، وتلين لإيقاعات النّص السارد لراهن الأزمة والمعاناة، بأسلوبية فوقية متطاوسة قد ترتقي حتّى على خطابات المحاكاة لتدغدغ بميتافيزيقية إنتاج وصياغة المواقف من ثالوث الذاتية والغيرية والكونية.

ويعزى هذا إلى كون وظيفة المخيال في منجز جورج شكرالله، برغم معجمه البسيط جداً والقريب من عتبات الفهم في مطلقه، تدشّن هيمنتها منذ البدء ولا تترك شبراً في جسد النص إلاّ وطرّزته بلدغاتها الدالة على اشتراكية الوعي وعالمية الرّسالة وشتى ما يُلهم طاقة خارقة في الاستثمار الطوباوي لنثار الحياة وتفاصيل المعيش. وذلك تبعاً لتيارات لا واعية أو انخطافات هذيانية في تحبير الفراغات والبياضات الوجودية، بغية تحقيق مرام نبوءاتي سام وجليل قد تجسّده الممارسة الابداعية والغائية التي قد تذيل مشهد سدل ستار النهايات المفتوحة إيذاناً بفجر تجلّي ملامح بعدية تلقّن تعاليم المستفاد والمفهوم من كتابة تعادل الصمت وتطابق المحو.

كتابة تسكب من توليفة عناصر الثالوث المذكور، ملء العطش الكينوني، في مركزية إنسانيتنا النازفة، محتفية بها، ومراقصة حروفها الذبيحة المتخبّطة في دم كونيتنا المرتجلة.

نحن كذوات، أم ظلالنا الهاربة، أم مرايانا الكاذبة في كثير من الأحيان؟ معدلات جمّة، بمعية شاعر من هذه الطينة، يتحقّق إلى حدّ بعيد الإشباع في مقاربة رحمها الملغوم بأسرار الذات والعالم الذي بتنا نهيئ له أسباب تجاوزنا بسائر ما نرى ونسمع ونتحسس، من فوضوية وعدمية و دموية واختلالات وأهوال، منوّمين في دغل إنسانيتنا مشاتل النبل والنورانية والجمال.

لعلّ كتاب "الساطع وليس في الضوء" الذي بين أيدينا، هو الأقدر على إبراز الصورة التي يريدها الشعر للعالم والكائن على حدّ سواء، إذ به من المنطلق "الجورجي" نسبة إلى شاعرنا جورج شكر الله، وبتفعيل غائيته، أي الشعر، في نظامنا الوجودي، تتأتى ولا ريب، المعرفة الحقيقة للذات والعالم.

يقول جورج في موضع من كتابه هذا: [ لا يضع ساعده في جرس الفراغ،لأنه متيقّن أنّ الحاجة أعظم من العمل، والإيمان أعظم من الطنين/إن تعرفه تعرف العالم، ولا يختبئ كيانك عندئذ في طيّة الموج، أو تحت إبط ذلك الذاهب إلى مساحات الغريزة والجليد/لا يخجل.. ولا يرتجل... فقط يجلس إلى الصمت/يشيل حجر الرحى على ظهر يومه، ويصعد السلم/فريد هو/الصولجان بيده/وفي لميع عينيه صفاء ذهنه المشرقي].

وفي موضع ثان يقول: [ وبعد طيران، قال أحدهم: أنا هنا... الجهل هناك/إذ لا صلة قائمة بيننا، وفي يوم مشمس، جفّف باروداً رطباص/ولتجربته إذا كان قد جفّ، قال ثانية: أنا هنا ... الجهل هناك...ثم أشعل عوداً وقرّبه من بداية البارود، وهبّ بكليته/فمضى وهو يقول: أنا هنا... أنا هناك/في تلك اللحظات كانت الطرقات تؤشر بأكفّ من رماد/وإن يرزح عنقك تحت عبء نير ثقيل، ويأتي أحدهم قائلاً/ألا فلنزحه نيراً بغيضاً، وحملاً ثقيلاً فنرتاح، فتصرخ به: بل دعه فإني أجزع أن تجرح عنقي، فيسيل الدم ويلطّخ ثيابي النظيفة].

وفي موضع آخر يقول: [ كوني صدى نفسي/يا موجة الشطآن... فالحلم يطويني/في غابة النسيان... إن لم يكن لبنان... الأرز قد يذوي/ أنشودة الأزمان... والدهر يبكيه/في رقّة الولهان... إن لم يكن لبنان].

ويقول: [ ظلما تفجر/ تفجر تفجر تفجر/فاسودّت الدروب/وانشقّت القلوب/وثياب الامهاة غاصت بالدماء/أطفالك يا قانا لا يلعبون/أطفالك يا قانا لا يركضون/فهم الأبطال هم الشهداء/وهم اليوم أنوار السماء].

وإذاً، بالمرجعية ذاتها، في عزفها علة أوتار الهوية وهواجس الانتماء، وقدر ترنّمها بجنون الإبداع، يضعنا صاحبنا في صورة نصانية الغرابة، وكتابة العزلة ،مناوراً بزئبقية الكبار، ومستفزّاً بالمفارقات وجدليات التضاد في تجاذباتها، عند حدود الخطاب الحِكَمي الحجاجي الدامغ بدوال المرموز على امتداد خارطة الوجع الإنساني، يصطاد معانيه من سلسبيل البرزخ الفاصل بين ملمحين لتجريبية واعية وصادقة تناور من خلالها الذات بخطّي توازٍ وبعدَي محايثة أو مُطايفة: شعرية المنثور ونثرية الشعري.

هذا هو جورج الإنسان والأكاديمي في محاورة مراياه، في جذره الهوياتي متنفّساً عشق لبنان، في اشتعال ثلج أنامله، موبّخاً تاريخ الأخطاء: حروب وطنه الأهلية، إكراهات المنفى، وعزلة لا تلون صفحاتها مباهج الإبداع، ولحظة لا تغتصب بياضها جرأة استنطاق المكنون واقتراف جريرة الشعر، جانياً ومجنياً عليه سيان.

جنون يسمو بالقصيدة حدّ وضعها فوق الحياة، يتوهج له فضول فكّ المعادلات الصعبة التي قد تحاصر الذات والعالم.

إنه منجز يحول قدر الإمكان، استغراق كل فصول الهجرة الناجحة، المنعشة بثقافة الانفتاح والاختلاف، المغدقة على العقل الشرقي بما يشبه ولادة ثانية تجبّ تاريخانية التحجر وقيود الماضوية وقشيب الأعراف.

شاعر وناقد مغربي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard