ما سرّ مواصلة ترامب تفوّقه الشعبيّ على ماكرون؟

5 أيلول 2018 | 17:46

المصدر: "النهار"

الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون - "أ ف ب".

لدى الرئيسين الأميركيّ دونالد #ترامب والفرنسيّ إيمانويل #ماكرون نقاط اختلاف تفوق بكثير نقاط التشابه بينهما. وعلى الرغم من ذلك، تمكّنا من تكوين صداقة شخصيّة بعد الزيارتين المتبادلتين اللتين أجرياها في 2017 و 2018. ترامب آت من خارج "المؤسّسة" في واشنطن ومن خارج عالم السياسة كلّياً. بينما طرح ماكرون نفسه أيضاً بصورة مشابهة علماً أنّه كان وزيراً للاقتصاد في عهد الرئيس السابق فرانسوا أولوند. أدّت هاتان الخاصّيتان دوراً في إيصال كلّ منهما إلى رئاسة البلدين. لكن بعد ذلك، ظهر اختلاف رؤية كلّ من الرئيسين. 

حين وصل ترامب إلى البيت الأبيض، لم يتخلّ عن ازدرائه ببيروقراطيّة #واشنطن كما بمعظم الاتّفاقات الدوليّة التي وقّعتها. أمّا ماكرون فقد تولّى الدفاع عن المعاهدات التي وقّعتها #باريس وطرح أفكاراً لإصلاح المؤسّسات الوطنيّة والإقليميّة من الداخل. هنالك مفارقات كثيرة في نظرة الفرنسيّين والأميركيّين إلى كلا الرجلين. حين ألقى ماكرون كلمة في الكونغرس الأميركيّ شهر نيسان الماضي، لقي تصفيقاً حارّاً من الجمهوريّين والديموقراطيّين على حدّ سواء. مشهد يصعب تخيّل أن يكرّره الديموقراطيّون مع الرئيس الأميركيّ الحاليّ. بالمقابل، لا يكنّ الشعب الفرنسيّ الكثير من الودّ لترامب. من هنا، أشارت تقارير إلى أنّ ماكرون اختار شهر تمّوز كي يستقبل نظيره الأميركيّ لأنّ معظم الفرنسيّين كانوا في عطلة، الأمر الذي يقلّل من احتمالات تنظيم مظاهرات مناوئة لضيفه.


أرقام الصيف الماضي

دخل ترامب البيت الأبيض في كانون الثاني 2017 بينما كان موعد ماكرون مع تسلّم منصبه رسميّاً في أيّار من السنة نفسها. صحيح أنّ ترامب أمضى أشهراً أكثر في الحكم مع ما يعنيه ذلك من سلبيّة أكبر يتعرّض لها عادة من يمضي وقتاً أطول في السلطة. لكنّه مع ذلك، تمكّن من الحفاظ على شعبيّة أعلى من شعبيّة الرئيس الفرنسيّ خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية بشكل عام.


ماكرون مرحّباً به في الكونغرس - "أ ب"


بعد مرور 100 يوم على دخوله الإليزيه، ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته "إيفوب" بناء على طلب صحيفة "لو فيغارو"، كان 36% من الفرنسيّين راضين عن أداء ماكرون. اللافت للنظر في هذه النتيجة أنّها كانت أقلّ من شعبيّة سلفه أولوند الذي كان يتمتّع بتأييد 46% من الفرنسيّين خلال الفترة نفسها. وضمن تقرير لصحيفة "الإندبندنت" البريطانيّة في 14 آب 2017، عزا جون ستون أسباب ذلك إلى اتهامات بشأن حدوث مخالفات ماليّة بين أعضاء حكومته فضلاً عن خلافات حول تخفيضات تطال دعم الإسكان لذوي الدخل المنخفض. بينما سجّل ترامب 41% خلال أوّل مئة يوم من عهده.

وفي 5 أيلول 2017، نقل بيكيت أدامز في مجلّة "واشنطن أكزامينر" استطلاعي رأي أجرتهما شركة "يوغوف" البريطانيّة أواخر آب وجدا أنّ نسبة مؤيّدي الرئيسين الأميركيّ والفرنسيّ بلغت 38% بالنسبة للأوّل و 30% بالنسبة للثاني.


بين الاقتصاد وقضيّة بانيلا

حاول الرئيس الفرنسيّ سابقاً التخفيف من وطأة هذه الأرقام في المقابلات الصحافيّة مشيراً إلى أنّ الفترة الزمنيّة قصيرة نسبيّاً لكي يتمّ الحكم عليه من خلالها. لكن بعد مرور أكثر من سنة ومئة يوم على وجوده في الإليزيه، لا يزال ماكرون يواجه شعبيّة متدنّية بالمقارنة مع شعبيّة نظيره الأميركيّ. قد يؤدّي النموّ الاقتصاديّ الذي تشهده الولايات المتّحدة (4.1% في الربع الثاني مقابل 0.2% في فرنسا) دوراً في مساعدة الرئيس الأميركيّ على حماية شعبيته من تدهور بارز. لكنّه قد لا يفسّر سبب تفوّقها على شعبيّة ماكرون بالذات. فالأداء الاقتصاديّ يأتي عادة كنتيجة لعدد من العوامل منها ما يرتبط بسياسة الرئيس لكنّ كثيراً منها لا يتعلّق بها أيضاً.

غير أنّ ما قد يثير الاستغراب أكثر، هو قدرة ترامب على تخطّي الفضائح الجنسيّة والتحقيقات الفيديراليّة التي تحيط به، بينما يبدو ماكرون عاجزاً عن تحسين شعبيّته على الرغم من بعده عن فضائح أو تحقيقات بحجم تلك التي تحيط بترامب، حتى أتت قضيّة اعتداء المسؤول الأمنيّ في الإليزيه ألكسندر بانيلا على متظاهرين في أيّار الماضي. فهل أثّر ذلك بمزيد من السلبيّة على صورة ماكرون؟


ترامب في مؤتمر صحافي مشترك مع ماكرون الذي كان في زيارة للولايات المتّحدة في نيسان 2018 - "أ ف ب"


إنّه ليس العامل الأساسيّ أو الأكثر تأثيراً على شعبيّة ماكرون، بحسب ما كتبه عالم الجغرافيا كريستوف غيلوي اليوم في صحيفة "الغارديان" البريطانيّة. يشرح غيلوي أنّ ناخبي ترامب يشكّلون استمراراً للطبقة الوسطى القديمة التي تريد خلق مزيد من الوظائف والحفاظ على نموذجها الاقتصاديّ والثقافيّ. أمّا مشكلة ماكرون فهي أنّ ناخبيه يتألفون من عناصر مختلفة يصعب إبقاؤها متماسكة. فمن بين أبرز من صوّتوا للرئيس الفرنسيّ هم المتقاعدون وموظّفو القطاع العام الذين كانوا محميّين من تأثيرات العولمة. قد يكرهون الشعبوية لكن لا يعني أنّهم يحبون العولمة. ويضيف غيلوي أنّ شعبية ماكرون تدهورت بشكل دراميّ بين هؤلاء تحديداً بسبب عبء الضرائب الإضافيّة والتعديلات الشاملة التي أدخِلت على حقوق العمّال في القطاع العام.


أرقام وتفسيرات أخرى

حالياً لا تزال شعبيّة ماكرون تسجّل النسبة نفسها تقريباً عند حدود 31% بحسب ما وجده استطلاع رأي آخر أجرته "إيفوب" ونقلته شبكة "بلومبيرغ" يوم أمس الثلاثاء. ومرّة أخرى، يتفوّق أولوند على خلفه إذ كانت شعبيّته بحدود 32% خلال الفترة نفسها من عهده. على الضفّة الأخرى للأطلسيّ، بلغت نسبة تأييد ترامب بحسب "غالوب" 41% و "راسموسن" 45%. ومع أنّه يتأخر ب 12% كمعدل عام عن شعبيّة الرؤساء الأميركيّين السابقين خلال الفترة نفسها بحسب "غالوب"، يبدو واضحاً أنّ ترامب يسبق نظيره الفرنسيّ ب 10 نقاط كاملة على الأقلّ.


صورة تذكارية قبل التوجه إلى مأدبة عشاء في مطعم جول فيرن في برج إيفل - تموز 2017


يبدو أنّ الفرق الأساسيّ بين الرئيسين هو استمرار ترامب في اتّباع سياسة حمائيّة ترى قاعدته الشعبيّة أنّها تحمي مصالحها على المدى البعيد، بينما تشكّل إصلاحات ماكرون رفعاً للحماية التي وجد جزء كبير من ناخبيه أنّها ضمنت حقوقه في وجه العولمة. لكن قد يكون هنالك سبب آخر، يكمن في فكرة الباحث في "مركز السياسات العامّة والأخلاقيّات" باسكال إيمانويل غوبري المكمّلة لفكرة غيلوي لكن الفاتحة لمزيد من الآفاق حول طبيعة ماكرون نفسه. لخّص غوبري توصيفه للرئيس الفرنسيّ في مجلّة "ذي اطلانتيك" حين كتب في كانون الثاني الماضي أنّه نقيض لنظيره الأميركيّ ولما يجسّده من تطلّعات وأهداف.

بحسب تعبيره، إنّ إيمانويل ماكرون "هو دونالد ترامب طبقة النخبة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard