عكار العتيقة تختزن مواقع تاريخية وتراثية عريقة

5 أيلول 2018 | 11:22

معلم أثري إثر معلم أثري وغابة إثر غابة ومواقع تراثية عدة، معها، وبخطى ثابتة تتواصل جولات التدريب السنوية لإعداد أدلاء جبليين سياحيين التي اطلقها مجلس البيئة في القبيات منذ شهر نيسان الماضي، وستستمر على مدى عام كامل. 

فكانت محطتها التاسعة بلدة عكار العتيقة التي انتخبت قبل عامين من أجمل البلدات اللبنانية، أعالي محافظة عكار، والتي تكتنز العديد من المعالم الاثرية التي تعكس الدور التاريخي والسياسي الذي اضطلعت به هذه البلدة (قلعة آل سيفا، تكايا، مسجد قديم، الى بيوت تراثية ومدافن زبود الشهيرة المحفورة في الصخر).




 يقول الدكتور انطوان ضاهر رئيس مجلس البيئة المواكب دائماً لهذه الدورات والرحلات المرتبطة بها: "هذه المحطة اليوم هي للتعرف إلى إحدى أبرز وأهم المعالم الأثرية في المنطقة (قلعة عكار العتيقة) المعروفة بقلعة آل سيفا. فكانت زيارة إلى هذا الموقع الشامخ رغم كل ما حل به، من العبث به وسرقة حجارته على يد جيش فخر الدين إلى الإهمال الصارخ اللاحق به حالياً".

  الانطلاقة للوصول الى القلعة كانت من الجسر على الطريق الذي يمر بموازاة القلعة، ومن هناك وعلى ضفاف مجرى النهر إلى طاحونة ماء قديمة ما زالت تنتظر الماء والقمح فلم يأتها سوى الإهمال وعدم الاكتراث وقطعان الماعز التي حولتها إلى حظيرة ومرتع للـ "براغيث".

 نستكمل المسير لنكتشف موقع القلعة على رأس تلة بين مجموعة تلال ما يشبه جزيرة في وسط مجرى النهر المقسوم الى مجريين، ما شكل لها في الأزمنة الغابرة حماية طبيعية تجعلها صعبة المنال من المهاجمين.




ويشرح الدكتور ضاهر: "كانت القلعة بادئ ذي بدء، حصناً لشخص يدعى محرز بن عكار أنشأه نحو سنة ١٠٠٠ ميلادية، ويقال إن هو من أعطى اسمه للمنطقة. استولى عليها الخليفة الفاطمي الحكيم بن عمرالله سنة ١٠١٩إلى أن أصبحت هذه القلعة في أيدي الصليبيين سنة ١١٠٩ من بعد أن وقع الكونت برتران دي تريبولي معاهدة مع حاكم الشام بعدم التعرض له مقابل منحه هذا الموقع الذي كان يعتبر من اهم المواقع الاستراتيجية لحماية الخط الداخلي الى سوريا".

أضاف: " زاد الصليبيون كثيراً من الإنشاءات على هذا الحصن ليصبح من أهم قلاع ذاك الزمان، يعمل جاهداً السلطان زنجيد نور الدين للسيطرة عليها وينجح لفترة ليعود الصليبيون ويسترجعونها سنة 1170 وتصبح في ما بعد ملكاً لجند الهيكل Les Templiers، إلى أن تسقط نهائياً من أيدي الصليبيين سنة 1271 من بعد سقوط حصن الأكراد.



ويشار إلى أن عائلات عدة توالت على حكم هذه القلعة حتى آلت إلى آل سيفا الذين كانوا يتنافسون مع المعنيين على حكم المنطقة.

ويقول خالد رديف، نقلاً عن مقولات شعبية مثبتة تاريخياً، إن بني سيفا كانوا أصحاب قامات طويلة وعلى درجة كبيرة من القوة وجمال المظهر وإن أحد أبناء فخر الدين المعني الثاني، وهو كالمعنيين قصيري القامة، كان تزوج احدى بنات آل سيفا، لكن هذه المصاهرة لم تخفف من حدة العداء بين العائلتين، لا بل ربما قد أججته إثر حادثة، حصل فيها نعت ابن الأمير فخر الدين بالمسخ من أخ زوجته وهو من آل سيفا، ما دفع بالتوتر والعداء إلى الذروة، وبالأمير فخر الدين لقول هذه الأبيات التي غناها الرحابنة في ما بعد:

نحنا زغار وبعيون الأعادي كبار، أنتو خشب حور ونحنا للخشب منشار، وحق طيبا وزمزم والنبي المختار، ما بعمر الدير إلا من حجر عكار.



وعد الامير ووعيده تحققا فعلاً فعمد الأمير فخر الدين، على مهاجمة القلعة وهدمها بعد أن حاصرها لفترة طويلة ولم يستطع دخولها إلا بعد اكتشافه - وهذا أيضاً ما تقوله الأحاديث الشعبية- سرداباً سرياً كانت تسلكه كلبة أمير القلعة من أعلى الحصن إلى النهر. ولقد نقل الأمير حجارة القلعة إلى دير القمر حيث استعملها في بناء قصوره، وهي ما زالت للحين موجودة في بيوت أمراء دير القمر، يستدل السائح عليها من لونها المائل إلى الاصفرار.

 المشاركون في الرحلة الذين استمعوا الى هذه الشروحات صعدوا إلى آلحصن وزاروا ما تبقى من اطلال لحجارة ابراج ومساكن مهملة وهو لا يستهان به: بقايا الأبراج المربعة التي تزنر الموقع، الأقبية التي في غالبيتها ما زالت تحت الأنقاض، الحائط الكبير من الجهة الجنوبية والذي لم يستطع هدمه الأمير فخر الدين، والمساحة الشاسعة التي كانت في الواقع تشكل قرية عسكرية متكاملة، وحده البرج الرابع للقلعة على الجهة الشرقية ما زال شاهداً على تاريخ ومجد مضى وما زالت منحوتات الاسد تكلل حجارته اعلى جدرانه الاربعة.

 من القلعة يطل السائح على وادي الجوز الذي يذهب امتداده صعوداً حتى شلال عكار (الذي يتوقف في الصيف بسبب الري) عند اقدام نبع الشوح الجاثم على سفوح سهلات القموعة.

بلغ عدد المشاركين في هذا اليوم نحو 30 متدرباً من عكار ومناطق لبنانية عدة.






إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard