"ما تدقّوا بزياد": بين النقد الثقافي والمهزلة الفكرية

28 آب 2018 | 13:22

المصدر: "النهار"

زياد الرحباني وأمه فيروز (الصور من أرشيف "النهار").

هناك منازع في الثقافة اللبنانية لا يحق لأي كان أن يلجها وخصوصاً عندما يعمد البعض إلى تشويه صورة رموزنا ومحق تاريخ ثقافتنا وتلويث فنون لبنان الخالدة. فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بفيروز والأخوين رحباني وزياد الرحباني. 

في العام 2015 جرؤ البعض على التعرّض لكرامة رمز لبناني كبير هو السيدة فيروز متهجماً بأسلوب غير لائق. ثم عندما أخذ زياد الرحباني يطل على الإعلام ويقدّم الحفلات الجديدة ويحكي عن مشاريعه هذا العام، تصدّت له أقلام مارقة تحاول اغتيال شخصيته. هذا الأسلوب القمعي غريب على لبنان، أن تكون حملة لتحطيم أيقوناته الثقافية لأنّها تحمل رأياً مخالفاً للطبقة الحاكمة ولا تريد أن تسير في موكب حيتان المال. عندما نتذكر الظروف المادية التي عاشها وديع الصافي وصباح وزكي ناصيف وصلاح تيزاني وغيرهم وإهمال الدولة والمجتمع لهم وتركهم فريسة الفقر والعوز، علينا أن نتفهم مرارة زياد الرحباني وانتقاده الصارم للدَّرك المخيف الذي وصلته هذه البلاد.

عندما اجتاحت الجيوش الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت البلاد الألمانية واحتلتها عام 1806، طلب نابليون بتواضع موعداً لزيارة الأديب والمفكر الألماني الكبير غوته في مدينة إيرفورت. وعندما دخل منزل غوته والتقاه صاح نابليون بشغف: أنت الإنسان c'est un homme إشارة إلى إعجابه الفائق بهذا العبقري الألماني. ثم أمضيا ساعات في الحديث الثقافي. وفي عام 1970، أخذ الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ينشر سلسلة مقالات تهاجم الرئيس شارل ديغول وتنتقد بطش السلطات الفرنسية في صحيفة ليبيراسيون Libération التي منعتها السلطات الفرنسية من الصدور ليساريتها المتطرفة. وعندما سجنت الشرطة رئيس تحريرها وأوقفتها، كان سارتر ينزل إلى الشارع مع رفيقته سيمون دو بوفوار وعدد من المثقفين الفرنسيين مثل فرنسوا تروفو وجان لوك غودار، لبيع الجريدة مباشرة للمارة. إلا أنّ أحداً من الشرطة لم يجرؤ على منع سارتر، ففاتح وزير الداخلية الرئيس ديغول برغبته في اعتقال سارتر، ولكن ديغول نهره، "وهل نضع فولتير في السجن"؟ وشرح ديغول: "سارتر يؤدي دوره وعظمة أي حاكم لا تقاس الا بنوع المعارضة التي تواجهه. سارتر سبّب لنا الكثير من الصداع لكن ليس هناك ما هو اكثر ضرورة من ان تبقى حرية الفكر والتعبير للمثقفين مصونة في فرنسا".

في مصر صروح كثيرة ولا تفرقة بين الأهرامات وكوكب الشرق أم كلثوم. وفي لبنان صروح وممنوع التفرقة بين قلعة بعلبك وصخرة الروشة وفيروز تحت أي حجة. قبل الاستقلال، لم يكن للبنان هوية ثقافية، لا في الموسيقى والغناء ولا في الفنون الفولكلورية. إلا أنّ كل هذا تغيّر في الخمسينيات عندما بدأت نهضة كبرى في هذه الميادين بفضل انتشار الإذاعات والمعاهد الموسيقية والمسارح والمهرجانات. وكان لفيروز والأخوين رحباني الدور الأكبر في هذه النهضة التي أعطت لبنان هويته الفريدة. وكما بدأ مشوار الرحابنة في خرائب هياكل بعلبك في مهرجانات بعلبك الدولية في عهد الرئيس كميل شمعون، كذلك بنى زياد ابن فيروز وعاصي مشروعه على خراب بيروت وحربها الطويلة التي بدأت في السبعينات. ووفق التحليل الهيغلي، فإنّ للتاريخ حركة ذاتية وما البشر إلا أدوات هذا التاريخ. وهو سؤال كان زياد يحاول تفكيكه في مسرحياته.


إنّ الذي يعمد إلى تشويه صورة زياد الرحباني يقوم بذلك عن قصد لأنّه يعرف تماماً القيمة المعنوية لهذا الفنان، ويستغل أنّ الجيل الجديد لا يعرف عن زياد سوى أنّه "مهضوم" في مقابلاته ولا يهادن السلطة في يساريته ومواقفه من القضايا العربية و"محسوب على محور"... إلخ. ولذلك، يجب وضع النقاط على الحروف وتذكير الرأي العام بموقع زياد في الثقافة اللبنانية.

أولاً، زياد الرحباني جدّد الموسيقى اللبنانية: يذكر زياد الرحباني عن بداية تجاربه في صنع الموسيقى وعزفها أمام والده عاصي: "عندما كنتُ أسمِعه بعض مقطوعاتي كان يشعر كأنني أشرد نحو الغربي فيبدأ بتحذيري من التطرّف في إدخال التجارب الغربية بشكل غير مدروس وغير حسّاس إلى موسيقانا. كان يوضح لي مشروع الرحابنة الموسيقي ويدافع عنه دائماً، ويقول لي بأن لا أفكّر بأنّ هذا المشروع هو مجرّد فولكلور وسهل بل هو مشروع موسيقي متعدّد الجوانب".

ويشرح زياد بساطة الجملة الموسيقية الرحبانية واعتمادها الأساسي على الميلودي وأنّ عاصي كان يعوّل كثيراً على التوزيع ويعدّل كثيراً أثناء التسجيل لأنّ المهم عنده كان أن تنسجم ميلودي الأغنية مع ذوق الناس، لأنّ الميلودي هي التي تدخل إلى قلوب الناس أولاً وعاصي يدافع عن اللحن الأساسي، أي شيئاً يشبه الموسيقى البيزنطية.

عندما افترقت فيروز عن عاصي تولّى زياد إدارة أعمالها وتلحين أغانيها الجديدة وتوزيعها، بأسلوب حافظ فيه على النكهة الرحبانية ولكن مطعّمة بأساليب الجاز وتقنيات غربية وعبقرية موسيقية ميّزت زياد. وانطلق تعاونه مع فيروز في الثمانينيات في ألبوم "وحدن" ثم "معرفتي فيك"، ثم أصدر ألبومات غنائية أو موسيقية خاصة به، وأحياناً مع أصوات آخرين أو بصوته هو، مثلاً ألبوم أنا "مش كافر" وألبوم "وينك يا أبو علي". والتحوّل في فيروز الذي حرّرها من أسر نمطية أسطورية محا أنوثتها كإمرأة ونزع حقيقتها كإنسانة وجعل منها تمثالاً مثالياً، ظهر في ألحان زياد مع ألبومات "كيفك إنتا" (1991) و"إلى عاصي" (1995)، وصولاً إلى "الله كبير" (2008)، و"إيه في أمل" (2012) حتى بلغ ما لحّنه لها زياد عشرة ألبومات. ومن أمثلة التحول أغنية "كيفك إنتا" المختلفة جذرياً عن فيروز البنت الفولكلورية المعصومة. ففيروز تخاطب هنا حبيباً سابقاً وقد أصبح متزوّجاً وأباً لأولاد وتريد أن تعود إليه، وأنّها ما زالت على حبّه وهو "حلالها"، ضاربة بالتقاليد عرض الحائط باسم الحب.

ثانياً، زياد الرحباني طوّر المسرح اللبناني: دخل زياد في مشروع الأخوين رحباني بعد مسرحية المحطة عام 1972 عندما تعرّض والده عاصي إلى جلطة دماغية. فأضاف زياد إلى ريبرتوار فيروز أغنية "سألوني الناس". ولم يكتب زياد عملاً مسرحياً لفيروز لأنّه كان يجد الصنف الذي يجيده الأخوان رحباني صعباً، بينما مسرحياته التي كتبها لاحقاً كانت مباشرة فيها ما يسمعه في شوارع بيروت ومقاهيها كل يوم. فلم يكن زياد ابن أبيه وحامل مشعله، بل كان مشروعاً منفصلاً قلَبَ الطاولة على مشروع الأخوين رحباني وتعاطى بواقعية مع لبنان المتفجّر. ولكنه بقي من الناحية الموسيقية مخلصاً للمدرسة الرحبانية ومعظم أعماله المسرحية تُعتبر مسرحاً غنائياً، تضمّنت أغنيات من سهرية (1973) إلى نزل السرور (1974) وبالنسبة لبكرا شو (1978) وفيلم أميركي طويل (1980) وشي فاشل (1983). ثم توقّف زياد عن المسرح لمدّة عشر سنوات ثم عاد في 1993 و1994 بثلاثة أعمال متتالية: "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" و"لولا فسحة الأمل" و"الفصل الآخر". وفيما عكَسَ الأخوان رحباني في أعمالهما نمطاً عن لبنان كمشروع وطن يحتاج إلى هويّة موحّدة وثقافة جامعة، فكّك زياد هذا اللبنان مستعيداً في مسرحياته تنوّع البلاد الديموغرافي وتعدّدها الطائفي ومصائبها الاجتماعية.


عدا عن اشتغاله على الموسيقى على خطى آل رحباني (عاصي ومنصور والياس وأبنائهم)، بنى زياد مسرحاً غنائياً واقعياً وقدّم أعمالاً ملاصقة للمجتمع كما هو بدون قشور، وليس كما أراده الأخوان رحباني. ولقد أثبتت موهبة زياد باكراً أنّ المشروع الرحباني لم يقتصر على عاصي ومنصور. فقد عَمَلَ زياد على تأسيس مسرح مناهض منتقداً التراث والفولكلور هادماً مفردات وصيغ الرحابنة والصرح العاطفي الذي بنوه حول لبنان أسطوري الذي اعتبر أنّه لا يمتّ إلى الواقع بصلة، شارحاً أن ليس ثمة لبنانان - الضيعة والمدينة، بل هما في الواقع بلد واحد، حقيقي ومخيف، أهله مصابون بانفصام شخصية حوّلهم إلى شخصيات عدة (فيلم أميركي طويل).

في مسرحيات زياد نعرف أنّ "الإنسان اللبناني" هو وهم، وأنّ في لبنان تفرقة طائفية بين مسلمين ومسيحيين وقرى متقاتلة (شي فاشل) ووحش رأس المال المفترس (نزل السرور)، وتجارة وعرض وطلب بين تجار البلد والعرب والأجانب (بالنسبة لبكرا شو). فنعلم أنّ العصر الذهبي للبنان الذي سبق حرب 1975 كان خدعة كبرى، فلا معجزة ولا إنجازات.

لقد تجلّت مواهب زياد الفطرية في أنّه لم يكن خرّيج مسرح، بل قرأ بعض الأعمال لبرتولت بريخت وموليير مثلاً، وكُتُباً قليلة عن المسرح. وعدا ذلك فهو تبع سليقته وما تعلّمه من مسرح ذويه. ومسرح زياد ليس استعراضياً بل سمعيّاً، فالمرء لا يخسر كثيراً من المضمون إذا ما سمع مسرحيات زياد على الراديو أو في "سي دي". في حين أنّه يخسر كثيراً إذا لم يشاهد مسرحيات فيروز واكتفى بالاستماع إلى الأسطوانات. وفي حين ركّز الأخوان رحباني في أعمالهما على الموسيقى والأغنية والحوار المغنّى، كان النص والرسالة لدى زياد هما الأهم. فأخذت الأغنيات تتضاءل باستمرار من 21 أغنية في سهريّة ثم لا أغنيات في شي فاشل.

***

منذ منتصف التسعينيات عاد زياد إلى كنف الرحبانية ليصبح هو، لا عاصي ومنصور، الثنائي مع أمّه فيروز. وإذا كان زياد قد مارس نقداً صارماً طوال عقود لمشروع ذويه، فهو قد أصبح في السنوات العشرين الأخيرة جزءاً من المشروع الرحباني.

فكيف يمكن، إذاً، أن يبقى زياد مخلصاً لمبادئه ولنهجه النقدي الذي اعتمده ضد مشروع أهله، ثم يعود إلى تبنّي هذا المشروع وكأنه ملكه؟ لقد انتقد زياد مشروع أهله وفكّكه عندما كان هذا المشروع يهدف إلى استحضار لبنان "القرية المسيحية الجبلية" التي سبقت لبنان الكبير والحرب العالمية الأولى، لتعميمها بشكل مثالي ساذج على كل لبنان. فاعتبر زياد بفكره اليساري أنّه خارج هذا المشروع. أما وأنّ الأخوين رحباني وفيروز قد وضعا إنتاجاً موسيقيّاً فنيّاً ضخماً رافق نشوء لبنان الحديث من 1957 إلى 1975، فهذا الإنتاج بنظر زياد كان أمراً آخراً، كمادة فنية محترمة يمكن اعتمادها لاستعادة الحنين إلى لبنان ما قبل حرب 1975. وهي فترة الإنجازات الثقافية والفكرية الكبرى والتي تُعتبر أفضل ما هو متوافر.

وفي هذا كان زياد متناسقاً مع مشروعه هو. وكان منطقياً أن يحمل ريبرتوار الرحابنة الضخم على كتفيه ويشتغل مع فيروز. فأعمال الرحابنة لم تكن توقاً إلى ماضٍ جميل ذهب مع الريح، بل حنيناً إلى إبداع لبنان الستينيات والسبعينيات. وهو ما يستحق بنظر زياد أن يستمر ويُبنى عليه وهو شوق من زياد لبيروت سابقة، وصلت إلى أوج العمل الفني الموسيقي والمسرحي وهو يُريد أن يقول لأجيال اليوم: بعدنا طيبين... نحن مستمرّون.

*كمال ديب مؤلف وأستاذ جامعي كندي لبناني صدر له أخيراً "تاريخ لبنان الثقافي من عصر النهضة إلى القرن الحادي والعشرين" إصدار المكتبة الشرقية - بيروت.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard