في فنجان

17 آب 2018 | 15:13

المصدر: "النهار"

"المال يتكلّم" (تعبيرية).

فنجان القهوة لا يزال على حاله، لم يُرفع منذ وُضع على المائدة. فقاعاتها الصغيرة انفقأت الواحدة تلو الأخرى وبقي السائل الأسود يبدو متوقفا ثقيلا كأنه زيت أو نفط لا يغري إلا بالحروب. الفنجان فقط علة للجلوس هناك. هو زبون منذ ثلاثين سنة وأكثر، ويمكنه أن يجلس دون طلب شيء. لكن الحاج العربي معروف بعزة نفسه. يطلب دون رغبة. لا بد للجلوس من مشروعية. على أي كرسي كان. كان انتباهه مشدودا لشيء غائر. لم يلتفت حتى إلى أن قنينة الماء الصغيرة التي أتى بها النادلُ كانت من النوع الذي يقاطعه بشراسة مضاعفة. ضد الجشع وعطش الصبا. لم ينسَ أن مسقطه ونبعَ ماء قبيلته احتوشه رأس المال وباعه في القنينات. عطشٌ بجوار العين الثجاجة. كل ذلك ذهل عنه الحاج. الخطب جلل. وكل خطب ينسي ما قبله.

كان يمد عنقه محملقا في شاشة التلفزيون يحاول التقاط ما يقول الرئيس التركي عن الحرب النقدية التي تشنها أميركا على دولته منذ أسبوع. رغم تطمينات الرجل كان الحاج متوجسا. يخاطبه في نفسه مشفقا من مصائر من قبله "حْيَّانَا يَا وْليدي.. حْيَّانَا " طيلة ذلك الأسبوع الثقيل كانت عينا الحاج تحملان شجنا عميقا بأثر رجعي. ما لهذه الأمة والحظ التعِسِ البئيس. مَن لديهِ مفتاحُ هذا القفل الصدئ. هاته الأغلال والأصفاد والحبال الملتفة بعضها فوق بعض. مِن أعالي سِنِيِّه الثمانين كان الحاج العربي ينظر إلى تاريخها الحديث.

ما من زعيم عربي أو مسلم كان في لحظة أملا ولو كاذبا خادعا للانعتاق ورفع الرأس إلا وجد السيف على رقبته. أو الحبل. أو الحرب بجميع تلاوينها الحربائية. الحرباء ليست بكل تلك الوداعة التي تبدو. مندريس شنقه عسكر تركيا. جمال عبد الناصر الذي كان قد أطلق الحاج اسمه على أحد أبنائه إكبارا له، اندحر في 67. سماها المسكين نكسة وهي كانت ختما بالشمع الأحمر على هوان العرب المتدحرج. شاه إيران الطاووس محمد رضا بهلوي الذي كان يخرج على قومه في زينته. كان يعظمه هو كذلك لدرجة أن أطلق اسمه على أصغر أبنائه. هوى وصار أثرا بعد عين. لم يطمئن الحاج العربي في البداية إلى ثورة إيران. محمد رضا بهلوي كان سنيا والخميني أتى في طائرة فرنسية. هل كانت بداية مسلسل لتصفية السنة في إيران. وحتى الثورة الإيرانية التي لم تفتأ تردد "مرك بر أميركا" ما إن انطلقت حتى انتصب لها صدام مناوئا عنيدا. خرجت منهكة ثم انتهى صدام معلقا. مسكين. على علاته كان مناوئا للغرب. تذكر قصفه لتل أبيب بصواريخ سكود "الحسين". تخيل. تل أبيب تصك آذانَها صفارات الإنذار تحت القصف. لكن حرباء الحرب أتت على الأخضر وزادت اليابس يبَسا. لبنان تمزق ثم سوريا أفرغت من شعبها. والقذافي انتهى نهاية سوداء. وقادة فلسطين الواحد تلو الآخر يسقطون. والربيع العربي أتى من لا شيء وأتى على كل شيء بعد المؤامرات. لم يبقَ في نظر الحاج إلا هذا الرئيس التركي الذي نهض ببلاده إلى مصاف الدول الكبرى. هل سيلقى المصير عينه وتصبح نهضة تركيا طللا ومرتعا للمافيات كما كانت. أهذا ما يريده الغرب لنا. أن نبقى من شرقنا إلى غربنا واديا للذئاب. فحسب.

شرد الحاج العربي عن خطاب الرئيس. ثم أزعجه دخان السجائر الممزوج بالأنفاس فخرج إلى باحة المقهى الخارجية. كان مدخنا قديما ويوشك إن أطال الجلوس بالداخل أن يطلب سيجارةً والظرف النفسي مُوَاتٍ لذلك. جلس أمام صف أصص ضخمة مخضرة تعطيه عادة إحساسا بالانتعاش. لم ينتعش. لبث يفكر مهموما مسلوبا في إمكان سقوط تركيا ولحاقها بالخراب المحيط. العرب والمسلمون عليهم أن يبقوا متخلفين. على شبابهم أن يبقوا نادلي مقاهي وصبيانَ مموني الحفلات والفنادق وعلى شاباتهم أن يبقين مضيفات أو مُدلكات أو.. أما نوابغهم أصحاب المادة الرمادية، فمِترُوبُول المستعمر القديم أولى بها..

أطلق الحاج بصره في مستطيل سماءٍ يبدو بين عمارة المقهى وعمارة مقابلة. الطيور لا تمر. الطيور مختبئة من حر شهر غشت هي كذلك. المقهى شبه فارغ. الكل في عطلة وسفر. لم يلبث أن أتى شابان. جلسا بعيدا لكن خلو المقهى كان يحمل إليه محادثةً أضافت حرفا بين التاء والشين إلى الأبجدية..

- تْشَخيل .. كنا في فندق خمسة نجوم في إستنبول بثشمن خيالي.. الأثشمنة مخفضة للنصف.. جنون.. كل شيء هوى في تشركيا.. تجولت واشتريت وتمتعتش بتشكلفة لا تشخطر على بال .. ثم الفَتْشَيات التُّشركيات يا صديقي.. كأنك في اليونان يا صديقي .. اليونان..

تبادلا قهقهة ماكرة ماجنة، وأكملا حديثهما. والتفت الحاج العربي عنهما يحاول أن يصم أذنيه. رزايا قوم عند قوم غنائم. ويا ليتهم قومٌ يقومون ويسارعون لشيء ذي بال. بل هم قعود وقاعدون ومُقعدون. لا يقومون إلا لنزوة..

نادى الحاج على النادل. طلب منه شيئا. راجعه النادلُ مرارا وهو يلح ويعيد. ثم أذعن النادل في الآخر. على مضض. أخرج من جيب صدريته لفافة ثم ناولها للحاج. أشعلها وأخذ نَفَسا. وما هي إلا أن أخذ يسعل ويسعل ويسعل والنادل في صدمة ووجوم. ثم رمى اللفافة بعيدا. وقام متثاقلا ويده على شطر صدره الأيسر تحاول إمساك شيء أن يسقط.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard