قمر بزيزا لم يكن دموياً ولا دامياً

30 تموز 2018 | 14:28

المصدر: "النهار"

لم يكن دموياً ولا دامياً.

خلافاً للصور والمشاهدات بالعين المجرّدة وبالوسائل التقنية الأكثر تقدّماً وحداثة، وحده القمر الذي عاينتُهُ وصوّرتُهُ ووثّقتُ مراتبه وأحواله، من حيث كنتُ، وحده ذاك القمر لم يكن مخسوفاً ولا دموياً أو دامياً. 

صحيحٌ أني لستُ عالم فلكٍ، ولا مصوّراً فوتوغرافياً بارعاً بالتأكيد، ولا أملك عينَي نسرٍ جارحتَين ثاقبتَين بالتأكيد. لكنْ، صدِّقوني. فقد رأيتُ القمر، ليلتذاك، في رؤيتَين وحالتَين، ولم أكن – صدِّقوني - في حالٍ من الهلوسة البصرية ولا الذهنية. 

لقد كنتُ أرى القمر بعينيَّ هاتين، وأصوّره بهاتفي هذا، لأوثّق بعين الروح، التجلّي القمري الذي كنتُ شاهدَاً له (وعليه)، والذي كنتُ وسيطه في تلك الليلة.

الرؤية الأولى، أني رأيتُهُ، كما ينبغي له أن يُرى، طيّباً ولذيذاً وشهيًاً، كفارسٍ على فرسٍ مطهّمة في جبل لبنان.  

هكذا رحتُ أنتظر بشبقٍ حسيّ لا سابق له، انبثاقه الحيي من وراء الجبل المقابل لمسقط رأسي.

لقد كنتُ في انتظاره، وصديقي كوبر، بمعيّة الشرفة المطلّة على اللامتناهي من المشاعر والأحاسيس، وأيضاً على اللامتناهي من الأحلام والكلمات.


كنتُ، على غير عادةٍ منّي، كلّ ليلة جمعة، قد آثرتُ ألاّ أشارك في الوليمة الأسبوعيّة التي تعدّها بالحبّ الغامر، عائلةٌ نبيلةٌ من أعزّ الأهل والأصحاب. فقد ارتأيتُ أن أنضمّ على مرايا روحي، وأتوحّد بذات الكون، وبقمر المكان والعقل في تلك الليلة، بدون جلوسٍ، ولا عرقٍ وخمرٍ، أو أصدقاء.  

عندما خرج القمر من عزلته، خرج عارياً كعادته.

وقد كنتُ أنا مرآته في عينيَّ هاتَين.

المرايا المرايا. ليس للمرايا إلاّ أن تحتفظ بالصوَر لأجل ذاتها فحسب.

وهذا بالذات، ما فعلتْه مرآتي.


ولم يكن عليَّ سوى أن أنزّل الصوَر تنزيلاً من ذاكرة المرآة، كما يفعل الوسيط الذي بالروح.

لو كان القمر "العربي" أنثى، كما هو في الفرنسية، لجعلْتُهُ عشيقتي.

أكتفي من هذا التمنّي، بالتمنّي، متواصلاً مع حال القمر الأنثوية التي تضعه فيها اللغة الفرنسية.

ذلك لا ينتقص منكَ شيئاً أيها القمر. فما أحلاك في العيون كما في الأمكنة وفي اللغات كلّها.

لكنْ، ما أشقاني أنا، لأني لا أملك إلاّ عينيَّ هاتين لأراك، ولغتي هذه لأكتبكَ وأرعاكَ، ومكاني لأنزّلكَ فيه.

قلتُ إني رأيتُ القمر في رؤيتَين وحالتّين، الأولى كما سبق أن وصفتُهُ حين خرج عارياً كما يحلو له أن يتعرّى، والثانية كما وثّقها هاتفي الخليوي، الذي لا بدّ من أن يكون قد دَاخَلَه شيءٌ من الانخطاف - الاضطراب الكوني، فراح يلتقط للقمر صوَراً ليست له، ويسجّل له أحوالاً وأشكالاً ليست هي أحواله وأشكاله. 

صدِّقوني.

كنتُ أكتفي بتصوير المشهد الذي أراه بعينيَّ، وكان هو بحقّ، مشهد الخسوف الحقيقي للقمر.

هذا ما كنتُ أراه بالعينين، لكن الهاتف وثّق ما لم يكن مرئياً بعينيَّ، ولا بالحواس كلّها.

صدِّقوني. لم أفتعل شيئاً. على كلّ حال، أنا لا أعرف، أن أفتعل شيئاً في الحياة، فكيف بحالي في مجال التكنولوجيا!

كانت الزيوح والأشكال الضوئية تتراقص في احتفالاتٍ بصريةٍ مذهلة، كما لو أن ثمة رسّاماً يخلق بتصوّراته السوريالية، تلك التدفّقات المشهدية غير القابلة للتفسير والتأويل والعقلنة.

وكنتُ أنا الرائي والمصوّر، محض وسيطٍ ليس إلاّ. 

هذا ما حصل معي ليلة الجمعة، في مسقطي بزيزا، بالتزامن مع الخسوف القمري.

أما ما حصل معي يوم السبت، فتلك قصةٌ أخرى. والسلام!

Akl.awit@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard