ذلك الوجدان الذي يهتزّ عند سماع جوليا

22 تموز 2018 | 21:59

المصدر: "النهار"

في هذه البقعة اليائسة من الأرض، في هذا الشرق البائس، ثمّة حروب ووجع مزمن ينخر حتى العظم. ثمّة انكسار وخيبة... وهناك - على المقلب الآخر - قصص قليلة يُمكن أن تبعث في وجدانك الفرح كفنّ #جوليا_بطرس! نحن هنا نعيش يوميات باهتة حتى تطلّ هي كل عامين لتدبّ فينا الحياة.

ما شهده المدرج الروماني في مدينة #صور (ليلا السبت والأحد) استثنائي على كل المقاييس: الحضور، عددهم الذي ناهز ١٦ ألفاً، المستوى التقني العالي للحفلة (من التنظيم والإضاءة إلى "الغرافيكس" والفيديوات المرفقة لبعض الأغنيات...). صحيح أن الإبهار طبع سهرات جوليا منذ أمسيات "البلاتيا" والواجهة البحرية في ضبيه (ربما كان الأقوى إبهاراً)، لكن سحر المكان وارتباط جوليا عاطفياً بصور، زادا من بريق الأمسيتين الأخيرتين. بدا واضحاً حجم التأثر الذي عاشته جوليا حين أطلتْ على "بحر الناس" الذين لم يتوقفوا لحظة عن التصفيق، كأنها استعادتْ في تلك اللحظات فصول مسيرتها: منذ أن غنّتْ في صور حين كانت مراهقة وصولاً إلى المرتبة التي احتلتْها اليوم. لا يختلف اثنان أنّ صاحبة "غابت شمس الحق" بأدائها وفنّها وألحان شقيقها وجهود زوجها الإنتاجية وبخاصة جماهيريتها، تحتل اليوم منزلة خاصة جداً في التاريخ الفني العربي المعاصر. هكذا، وجّهتْ تحية إلى أب طالما أمسك يديها قبل صعودها المسرح (وحكما حفل صور يعني الكثير لابن مرجعيون)، ولأم كانت تخيط لها الفساتين الجميلة رغم قدراتها المادية المحدودة. ولم تنسَ رفيق دربها مع زياد، الشاعر نبيل أبو عبدو.


في حفل صور، قدّمت جوليا مزيجاً - غير مسبوق من ناحية الخلط بين العاطفي والوطني - من القديم والجديد. بعضهم استساغ التوليفة الجديدة، فيما البعض الآخر فضّل الفصل الذي كان يُعتمد نوعاً سابقاً في الحفلات السابقة. ذلك أن وقع الأغنيات الوطنية وإيقاعها، يحملان نكهة خاصة حين يُقدّمان بجرعات متتالية. كذلك، غابت "المدلي" التي طالما ميّزتْ أمسيات جوليا.

"قلنا مزحة"، "يوماً ما"، "على ما يبدو"، "الى النصر هيا"، "احذر"، "دبلوا عيونو"، "بكرا شي نهار"... وكرّت السبحة من "يا قصص" إلى "وين مسافر" (بتوزيع جديد) و"خلص انتهينا". فيما بقي للأغنيات الوطنية، بينها "أنا بتنفّس حريّة" و"عاب مجدك" و"أحبائي"، وحكماً "غابت شمس الحق" وقعها المختلف جداً.

تناصر جوليا في موقفها السياسي أو لا، لا يمكنك إلا أن تنحني احتراماً أمام خطها الثابت في الدفاع عن القضية. ليس في حنجرتها فحسب، إنما في تقاسيم ذلك الوجه الذي يتحول غضباً وعزة وهي تصرخ: "منرفض نحن موت" و"لا تغدرني يوماً احذر، يداي تنسل حراباً". من هنا، حفل صور - وإن جمع جمهوراً من كل مناطق لبنان - كان حفل جمهورها الجنوبي في الدرجة الأولى... أولئك الذين يعرفون طعم "انتصار تموز". أنتم فقط تخّيلوا أمهات شهداء العدوان وهنّ يسمعنها تبلسم جراحهن حين تناجي "الأحباء" وتعلن أن الانتصار كان لكل لبنان "شاء من شاء وأبى من أبى".

حفل صور أيضاً، يترك مَن حضره في حيرة وهو يخرج من زواريب المدينة الساحلية: ترى، لماذا تغادرنا كل تلك الطاقة حين ينتهي الحفل؟ أين تذهب هذه الحماسة التي هزّت المدرّجات بعد نزول جوليا من قلعتها؟ لماذا لا نتحول ثواراً حقيقيين في هذه الأرض، وعوض أن نكتفي بالتصفيق فقط لأغنية "يا ثوار الأرض"، نثور حقاً لمحاربة الفساد والتلوث والحقوق المهدورة والعقلية العقيمة، علّنا "شي نهار" نخطّ فصولاً مختلفة في "حكاية الوطن"؟




جوليا حالة يصعب تكرارها. فنانة تختصر بأغنياتها فصولاً من عمر كاتب هذه السطور. ولأن العتب على قدر المحبة، لا يمكن إلا أن نوجه لكِ بعض الكلمات المحقّة: أولاً، نعلم أن سهرة بطراز الذي قدم في صور تتطلب كلفة إنتاجية باهظة، إلا أن جمهورك يستحق إعطاء هامش أكبر للبطاقات القليلة السعر. أبناء "شعبك" من أصحاب الدخل المحدود، يستحقون أيضاً أن يعيشوا تلك المواعيد النادرة مع الفرح. ثانياً، الانتباه إلى بعض الأخطاء التنظيمية لفريق عملك واحترام أهل الصحافة أكثر بالمحافظة على حضورهم بشكل لائق. أنتِ من القلّة التي تجاهد لتقديم مستوى فني وثقافي راقٍ. ومن هذا المنطلق، ننتظر منك التمسُّك معنا بما تبقى من الوجوه الحضارية لهذا البلد، وعلى رأسها الصحافة الحقيقية.  

ختاماً، لا تطيلي الغياب. نلتقي في "حلم ليلة صيف" جديد بعد سنتين.



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard