روسيا والمونديال

15 تموز 2018 | 12:56

المصدر: "النهار"

فريق الاتحاد السوفياتي عام 1969 (أب).

(الصورة لفريق الاتحاد السوفياتي الوطني لكرة القدم في العام 1969).

اختتم #المونديال الذي جرى على أرض روسيا بنجاحٍ على كافة الأصعدة. هذه الروسيا الذي جرى اليوم اكتشافها ومعاينتها بأمّ العين من قِبل شعوب العالم قاطبةً، قد أذهلتها عظمتها بكل ما للكلمة من معنى. لقد ترسّخت لروسيا في أذهان السواد الأعظم من الناس ووعيهم، صورة نمطية عن التوحّش والتخلّف، ساهمت في رسمها إلى حدٍّ كبير الظروف التاريخية الداخلية والخارجية في مراحل متعدّدة من التاريخ، التي فرضتها الصراعات السياسية بين الإمبرطوريات الغربية والإمبرطورية الروسية. لقد كانت هذه الصراعات بمجملها توسعيّة، غير أن طابعها اختلف، ولا يزال، من حيث الطبيعة والأهداف، يُضاف إليه الطبيعية التكوينية للمجتمعات الأوروبية والمجتمع الروسي التي أملت إختلافاً في مقاربات التقاليد والثقافة والإجتماع والسياسة والإقتصاد، كما في أسلوب إستيعاب ضرورات التطوّر والتغيير، أي الضرورات الثورية إن صحّ التعبير.  

فالحكم الأوتوقراطي المركزي القائم على أساس وحدة الدولة الروسية، أعلن قيامه إيفان الرهيب في شباط العام 1549 في قصر الكرملين، عبر كلمةٍ مستوحاةٍ من أفكار النبيل إيفان سيمينوفيتش بيريسفيتوف، حيث اعتمد فيه على النبلاء مكان البويار (الطبقة الأرستقراطية القديمة) الذي اتّهمهم بسوء استخدام السلطة، محدِثاً بذلك قطيعةّ مع "روسّ القديمة" من حيث صيغة الحكم والتراتبيات الحاكمة والمتحكّمة، كما للعلاقات مع مختلف أفراد الشعب وتركيبته. فمنذ عهد بطرس الأكبر، وخلال كل فترة حكم آل رومانوف، تغيّرت هذه التراتبيات والعلاقات عبر إصلاحاتٍ متعدّدة كانت تطال جوانب الحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، ولكن صبّْ معظمها في مصلحة طبقة النبلاء عبر إعفائهم من الضرائب، تمليكهم الأراضي والفلاحين، منحهم الإدارة الذاتية في أقاليمهم، تكريس التوريث لأبنائهم، إستثنائهم من العقاب الديني وإطلاق يدهم في التجارة والصناعة، أدّى إلى خلق شرخٍ كبير بينها وبين الفئات الدنيا، وبالأخصّ مع الفلاحين، النسبة الأكبر من السكان بسبب شبه غياب للفئة العمالية التي لم تكن قد تطوّرت كفايةً بعد حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر.  

لأجل ذلك، جاءت طبيعة الإنتفاضات بغالبيتها فلاّحية. على أنه بالتوازي مع ذلك، كانت الفئات المتعلّمة والمثقفة تنمو بإطّرادٍ جعلها تفوق نظيرتها الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع تسجيل تمايزٍ واضحٍ فيما بينهما، يعود إلى طبيعة إختلاف تركيب المجتمعات. فالثورات والإنتفاضات في روسيا، تميّزت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بإستمرارية تواصلية إتّخذت من السمة الشعبوية شكلاً متمايزاً عن شكل الثورات الأوروبية المتميّزة بدورها في ذلك الحين، بخاصيّة قوميّة ووطنية. 

على أن أصداء الثورات الأوروبية وإنعكاساتها الفكرية والميدانية والتغيّرات التي طرأت عليها نجاحاً وفشلاً على مدى قرنٍ من الزمن، قد انعكست على طبقة المثقفين الروس، الذي بدت تمايزاتها عنها واضحة من حيث أنها طبقة خاصة، متشبّعة بالروح الروسية، ذات توجّهات إجتماعية طابعها أبعد من القومية المحدودة أو الوطنية المحليّة، تُحمّل أعمالها البعد السياسي العالمي المنشود. وهكذا، استطاعت هذه الطبقة المثقفة من خلق فنٍ وأدبٍ وشعرٍ ومؤلّفاتٍ تربّعت على عرش العالمية نظراً لعمق ما تحمله من المعاناة والأفكار والفلسفة، كـبوشكين ودستويفسكي وتولستوي وتورغينييف وغوغول وغيرهم الكثير.

هذه الخاصيّة الروسية، بدأ العالم بمعاينتها عن قرب ولو من باب اللعبة الرياضية. فقد تقصّدت روسيا إظهار وجهها العالمي الحسن، وتطوّرها ومقدرّاتها وإنجازاتها، وأثبتت للرائي، أنها دولة عظيمة بقِيمها وروح شعبها وثقافتها وقانونها وبنيتها التحتية وتقديماتها الفنية والمسرحية والموسيقية، كما ببنيتها المعمارية ومستوى التقديمات والتقنيات وبمستوى الحياة فيها المُضاهي لأكثر دول العالم تطوراً، والذي يجري طمسه عن قصدٍ لأسبابٍ مختلفةٍ ومتعدّدة، ولكن، بتمايزٍ لا يدرك كنهه سوى من يزورها ويتفاعل معها. على أنه ينبغي فصل الثقافة والفكر والتاريخ والعلاقات الإنسانية عن السياسة العالمية، التي يمكن لها، أو هي فعلياً، مركز إختلافٍ وتناحرٍ وعدم توافقٍ تبعاً للمصالح الخاصّة.

كان مونديال روسيا جميلاً، ومفاجئاً بنتائجه، والأهمّ من ذلك، أنه قدّم برأيي، فرصة لرؤية روسيا الطبيعة الخلّابة والأرض الفوّارة الفائضة بالحياة، وقرّبت المسافات والروح معها، ما يُخفي قليلاً صورة الحرب التي تقضّ مضاجع المنطقة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard