"كم نايب إجا عزّاكُم.."!

12 تشرين الثاني 2013 | 15:34

المصدر: "النهار"

أجراس الكنيسة تقرع حزناً لموت "فلان"، والمآذن تبلغ السامعين نبأ موت آخر. في هذا اليوم الأليم الذي يجمع العائلة، يتقاطر الأحباب والأصدقاء لمواساة أهل الفقيد. لكن الى جانب الحزن، ثمة متسع دائماً لقياس "الوجاهة" الاجتماعية في العزاء.

شربل (8 سنوات) يقف الى جانب والدته التي فقدت أحد أقاربها، يقترب منهما أحد نواب المنطقة ويقدم للوالدة وأفراد العائلة واجب العزاء، يسأل شربل "ماما مين هيدا؟"، ترد الوالدة هامسة "هيدا نائب"، وبعفوية يقول "يعني نحنا مهمين؟".
تخرج سميرة من الكنيسة حيث قدمت واجب العزاء، وفي طريق العودة الى بيتها في البلدة سيراً، يوقفها أبو بشارة ليسألها "مين كان في من السياسيين؟". تنظر اليه بحسرة وتجيبه "لم يأت سوى سعادة النائب "فلان الفلاني"". لماذا أجابته بحسرة؟ لأن "سعادة النائب" لم يكن نائباً من الصف الأول. وتضيف مجيبة على أسئلة أبو بشارة "أرسل القوات (حزب القوات اللبنانية) اكليلاً من الزهر والكتائب والتيار الوطني الحر".
أما باسكال فتروي حادثة وقعت خلال تشييع أحد أقاربها "نحنا بالعيلة مقسومين بين "قوات" و"تيار" و"كتائب"، وخلال الدفن وقع إشكال بسبب الأكاليل التي قدمتها الأحزاب الثلاثة، فكلٌ يريد أن يضع الاكليل الذي قدمه الحزب الذي ينتمي اليه في المقدمة".
ماري تفاخر أمام الأقارب بكثرة السياسيين الذين قدموا واجب العزاء بفقيدها، "الله يحميهم خاطروا بحياتهم كرمال يعزونا!". أما منى فتصف تقديم السياسيين واجب العزاء للبنانيين "بيكسروا وبيجبروا بالعزاء". ونصير يرى ذلك واجباً تجاه المواطنين "خصوصاً أننا انتخبناهم ليمثلوننا".
نائب عكار رياض رحال قال انه قبل تسلم الكرسي النيابي ربطته كطبيب "علاقات اجتماعية جيدة" مع الناس. وهو لا يقدم واجب العزاء الا حين يصله من اهل الفقيد اشعار بالنعوة كي "نواسيهم ونقف الى جانبهم في محنتهم". ورأى أن "عمل النائب لا يقتصر على تقديم العزاء.. فالنائب والمسؤولون في لبنان واجبهم تكريم الأحياء". وروى لـ"النهار" أنه "في أحد الأيام، أُخبرتُ ان شخصاً "زعلان مني"، فذهبت اليه كي أستفسر عن الموضوع فقال لي أنه "آخد على خاطرو" لأني لم أقدم له واجب العزاء"، عندها سألته "هل ارسلت لي النعوة؟"، فأجابني بالرفض، عندها قلت له "كيف لي ان اعرف اذاً؟". وأضاف "اذا أردت أن أقدم واجب العزاء بهدف نيابي لا أظن أن الأمر سينجح، فعلى سبيل المثال في عكار، اذا كان هناك 9 مرشحين أورثوذكس وهناك مقعدان فقط، والـ9 قدموا واجب العزاء، فلمن يصوّت الناس؟".

"..احترنا يا قرعة"

من جهته، اعتبر نائب زحلة ايلي ماروني أن تقديم العزاء هو واجب انساني واجتماعي في الدرجة الأولى. ورأى أن البعض يعتبر مجيء النائب لتقديم واجب العزاء استثماراً للفقيد، والبعض الآخر يرى انه اذا لم نقدم واجب العزاء فنحن لا نقوم بواجبنا الأساسي، لذلك: "احترنا يا قرعة من وين بدنا نبوسك". وأشار الى أن النائب يجد صعوبة كبيرة في ايجاد الوقت لتقديم العزاء، "صحيح أن المجلس النيابي معطل الا أن اللجان النيابية تجتمع وهناك مراجعات والكثير من العمل..".
واضاف انه يتلقى "النعوات" من الأصدقاء، ويعتمد في زحلة على الطريقة التقليدية عبر متابعة النعوات الملصقة على الجدران .. وهناك اشخاص معينون يعلموننا بالـ"عزوات".
لن يكون الحضور في "العزوات" تعويضاً عن تقصير النواب في عملهم التشريعي والخدماتي تجاه منتخبيهم، لا يمكن ان يكون كذلك. انتقادات كثيرة يوجهها لبنانيون الى نوابهم مطلقين عليهم تسمية "نواب التعزية". الا ان هذا الإنتقاد "الدارج" يهمل احياناً حقيقة ان اللبناني نفسه يعتب ويحس بـ"قلة قيمة" حين لا يحضر هذا النائب او ذاك لتعزيته بفقيد. في منحى كبير لمسألة العلاقة بين النائب و"العزوات"، يحضر اللبناني الذي يشعر بحاجته الى وجاهة النواب وحضورهم في المناسبات الإجتماعية الخاصة به. يكفي ان يحضروا ليثبتوا وجوداً معنوياً يغطي على وجود آخر مطلوب وملح ومفقود..

Reine.boumoussa@annahar.com

Twitter: @ReineBMoussa

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard