لماذا تزايدت حالات الانتحار في مصر أخيراً؟

4 تموز 2018 | 16:04

المصدر: "النهار"

لقطات من كاميرا داخل محطة القطار.

أحدث مقطع فيديو مروع لفتاة مصرية تلقي بنفسها تحت عجلات قطار مترو الأنفاق بالقاهرة صدمة كبيرة لدى المصريين، وأثار مشاعر حزن ويأس شديدين تتجلى في تعليقات المواطنين في الشوارع والأماكن العامة، وكذلك على مواقع التواصل الاجتماعي بمصر. وربط قطاع من المصريين بين انتحار الفتاة -وحالات أخرى مشابهة- والظروف الاقتصادية والمعيشية الضاغطة التي خلفها برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته القاهرة منذ العام 2014.

وتكشف أحدث الإحصاءات المتاحة على الموقع الالكتروني لمنظمة الصحة العالمية، أن هناك 88 حالة انتحار من بين كل 100 ألف مصري، علماً أن عدد سكان مصر يبلغ 100 مليون نسمة، وهناك قرابة 88 ألف شخص ينتحرون كل عام. 

 وتعتمد هذه الإحصاءات على آخر البيانات المتوافرة والتي تعود الى 2014. ومنذ عام 2015 تتجدد التساؤلات حول تزايد حالات الانتحار بمصر من حين لآخر، لكن السلطات المصرية لا تتعامل بشفافية مع هذه الظاهرة، ولا تصدر وزارة الصحة إحصاءات واضحة بعدد الحالات، لتفتح بذلك المجال واسعا أمام التقديرات الجزافية.

وتشير أرقام غير رسمية إلى ارتفاع معدلات الانتحار في مصر خلال السنوات القليلة الماضية. وبينما لا إحصاءات رسمية عن الانتحار بمصر، كشفت دراسة لوزارة الصحة في القاهرة، أن 21.7% من طلبة الثانوية العامة يفكرون في الانتحار. وشهدت الأسابيع القليلة الماضية العديد من حالات الانتحار بين طلاب المدارس الثانوية والإعدادية.

فتاة المترو

على الرغم من تكرار حوادث الانتحار في مصر، إلى حد أنها لم تعد تثير الانتباه طويلا، إلا أن المشهد المفجع الذي ظهر في مقطع الفيديو الذي التقطته كاميرات المراقبة بمحطة "ماري جرجس"، أحدث صدمة في الرأي العام المصري. وظهرت أميرة يحيى (20 عاما) على رصيف المحطة بمفردها. ومع دخول القطار إلى "ماري جرجس" قفزت فجأة أمام الجرار الذي كان مازال محتفظا بقدر من سرعته، وهبطت بين القضبان واقفة.


أميرة يحيى (20 عاما)


كان القطار يبعد عنها عدة أمتار، وأمامها ثانية أو أجزاء من الثانية تتيح لها فرصة للتراجع عن قرارها بإنهاء حياتها بهذه الطريقة المفجعة، لكنها ظلت واقفة حتى صدمها القطار، وطرحها أرضا تحت عجلاته الحديدية لتلقى حتفها على الفور.

وقال مدونون على مواقع التواصل الاجتماعي بمصرإن الفتاة تعاني من مشاكل نفسية، وإنها تتعرض لمعاملة سيئة من أخوتها الذين يضربونها، كما أن تزايد الضغوط عليها مع تردي الأوضاع الاقتصادية لأسرتها التي تقيم بمنزل صغير في حي "مصر القديمة" الشعبي الفقير، كانت ضمن العوامل التي قادتها إلى الانتحار.

لكن والدها نفى إساءة معاملتها، وقال في تصريحات إعلامية، نشرت صباح اليوم: "منذ 7 سنوات فقدت زوجتي في حادث سير، وكنت مرتبطا بأميرة، فلم أتزوج بعد وفاة والدتها، وقررت تكريس حياتي لها ولأشقائها الثلاثة، ومرت الأيام برداً وسلاماً، وكانت الحياة تسير بطريقة طبيعية، حتى تناهى إلى مسامعي أنباء عن انتحار فتاة بمحطة المترو"، مبدياً صدمته بعدما عرف أنها ابنته، وأنه لا يعرف سببا لإقدامها على الانتحار: "كانت مثل والدتها دائمة الصلاة والدعاء، ولا أدري لماذا فعلت ذلك".

الضغوط الاقتصادية

يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي لـ"النهار" "إن الأوضاع الاقتصادية لها تأثيرها على اتجاه بعض الأشخاص للانتحار، وخلال السنوات القليلة الماضية تزايدت معدلات الانتحار، نتيجة أن بعض الأشخاص لديهم ظروف معيشية لا يستطيعون تحسينها، أو مشاكل لا يقدرون على حلها".

"الراغب في الانتحار، هو شخص لديه حالة اكتئاب شديدة" يقول أستاذ علم النفس، مضيفا "إنه إنسان تكون لديه أفكار انتحارية مسيطرة عليه، لهذا يلجأ الى الانتحار، وبعض الأشخاص تكون لديهم حالات مرضية عضوية مزمنة، وحين لا يجدون تحسناً، ويشعرون بعدم استجابتهم للعلاج، والأمور تتدهور، ولا يجد تحسناً لهذا يبحث عن شخص يقتله".

ويرى أن "البعض يبحث عن الانتحار لمجرد الفراغ، يجد نفسه في البيت بلا عمل، أو هدف، يقرر التخلص من الحياة"، لافتاً الى أنه "في الدول الاسكندينافية تسجل أعلى نسب الانتحار في العالم، ولكن في الشرق الأوسط، ليست كل الحالات التي تذهب للمستشفيات تسجل، تجنباً لمشاكل اجتماعية، وعدم إدخالهم في مشاكل أسرية أو قانونية".

افتراء

وبينما يربط قطاع من المصريين بين حوادث الانتحار والظروف الاقتصادية الصعبة، تقول الدكتورة رحاب العوضي، أستاذة مساعد علم النفس السلوكي لـ"النهار" إن "أكثر مسببات الانتحار هي المخدرات والمرض النفسي، الاكتئاب بأنواعه، الحاد وثنائي القطبين، ثم بعد ذلك التفكير السلبي، وضعف الوازع الديني وغياب فكره الأمل والمكسب والخسارة لدى البعض".

وترى العوضي أن ربط بعض المدونين كل حادثة انتحار بالأوضاع الاقتصادية الصعبة هو "نوع من الافتراء والجهل والتصيد، لأن من غير المعقول أن كل انتحار سببه الحالة الاقتصادية، والدليل على ذلك، آخر حادث انتحار منتشرة له أكثر من قصة مختلقة ومؤلفة، ولا احد يعرف الحقيقة".

وتضيف "إن الحل ليس الانتحار، الحل وجود بدائل وفرص عمل، وتقليل المصروفات، ومراعاة شعور الغير، والبعد عن الإعلان عن سلع مستفزة، والإعلان عن أجور خيالية للاعبي الكرة، والفنانين، وأصلا مستحيل الشخص السوي نفسيا يفكر بالانتحار. الانتحار، والتفكير به، واليأس، والانسحاب من الحياة، وعدم القدرة على المحاربة بالأمل، كلها صفات تدل على أن هذا الشخص غير سوي، وبكل دول العالم يوجد فقراء وأغنياء، ويوجد ظروف اقتصادية عند الجميع، المهم كيف يتعامل معها الإنسان، وليس الانتحار دليل مشكلة اقتصادية، وقد تكون مشكلة اجتماعية، أو أخلاقية عجز الإنسان عن مواجهتها، والدليل هناك شخصيات ميسورة ماديا وقامت بالانتحار نتيجة الاكتئاب".

وبينما تتفاوت الآراء حول أسباب تزايد الانتحار، يصعب على كثير من المواطنين غير المتخصصين الفصل بين تلك الحوادث المروعة، وتداعيات الضغوط النفسية والأسرية التي يرونها حولهم طوال الوقت نتيجة الارتفاع الجنوني في الأسعار، في وقت لم تشهد فيه معدلات الدخل تحسناً، خاصة وأن تلك الأوضاع الصعبة تترك مضاعفاتها على الكثير من جوانب الحياة، التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على المواطنين، الذين تتفاوت قدراتهم النفسية والعقلية على استيعاب والتعامل مع تلك المشكلات الصعبة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard