لماذا لم يؤجّل بوتين عمليّة درعا إلى ما بعد انتهاء كأس العالم؟

4 تموز 2018 | 15:04

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدّثاً أمام مسؤولين من الفيفا عشيّة انطلاق مباريات كأس العالم - "أ ب"

كان مرتقباً بحسب بعض التقارير أن يكون الحدث الكرويّ في روسيا طاغياً على ما عداه من الأحداث السياسيّة التي يمكن لروسيا أن تكون طرفاً مؤثّراً أو فاعلاً فيها. حين انطلقت بطولة كأس العالم أواسط الشهر الماضي، نقل بعض وسائل الإعلام الإسرائيليّة خبراً مفاده أنّ #موسكو طلبت من جميع الأطراف المنخرطة في النزاع السوري تهدئة الأوضاع في الفترة المقبلة. وذكر موقع القناة السابعة الإسرائيليّة في الرابع عشر من حزيران، يوم انطلاق البطولة، أنّ "إدارة بوتين أبلغت رسائل واضحة إلى جميع الفاعلين في المنطقة بأنّه يُتوقع منهم التصرّف بـ"مسؤولية عليا" في المستقبل القريب، حسب تقرير صحيفة "يسرائيل هايوم". وأوضح الموقع أنّ الرسائل لم تربط علناً بين كأس العالم والأحداث السوريّة، "لكنّ المنخرطين في المسألة هم على دراية بأنّ هذا الاعتبار يلوح في خلفيّة (المطلب)".

على الرغم من ذلك، انطلقت العمليّات العسكريّة لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلّحة في منطقة خفض التصعيد جنوب غرب سوريا، بعد أيّام قليلة على بداية المباريات. لكنّ نظرة إلى التطوّرات الميدانيّة كانت تؤشّر إلى أنّه يصعب تأجيل الهجوم. فالاستعدادات العسكريّة للجيش السوري بدأت منذ أيّار، الأمر الذي دفع وزارة الخارجيّة الأميركيّة إلى التهديد بالردّ على أيّ خرق لمنطقة خفض التصعيد. كذلك، بدأت المفاوضات حول هذه المنطقة في الشهر نفسه، فبدا أنّ المحادثات الدوليّة وصلت إلى مراحل ضمّ مصير قاعدة #التنف إلى تلك المفاوضات بحسب عدد من التقارير.

احتمالان على الأقل

لو صحّ توسيع التفاوض ليشمل تفكيك قاعدة التنف، فهذا يعني وجود احتمالين على الأقلّ. الأوّل، محاولة الروس استكشاف مدى استعداد الأميركيّين لتقديم تنازلات مقابل الحفاظ على الستاتيكو في جنوب غرب سوريا. بينما يكمن الاحتمال الثاني في محاولة إغراق المفاوضات بمزيد من الشروط حتى تنتهي إلى الفشل، فيعقب ذلك مباشرة انطلاق العمليّات العسكريّة. في كلتا الحالتين، ظهر أنّ الروس مستعجلون لإعادة منطقة خفض التصعيد إلى سيطرة #دمشق من دون الأخذ بالاعتبار المناسبة الكرويّة في #روسيا ... أو ربّما على العكس من ذلك، بواسطة استغلالها أفضل استغلال لتحقيق أهدافهم.

وسيلة فضلى

إنّ الأحداث الرياضيّة البارزة أصبحت اليوم وسيلة لتحقيق مكاسب سياسيّة لمعظم الرؤساء حول العالم بمن فيهم الرئيس الروسيّ فلاديمير #بوتين. من خلال البطولة الكرويّة الحاليّة، تمكّنت موسكو من إثبات أنّها لا تزال قادرة على إنجاز المزيد في سياق فكّ عزلتها الجزئيّة عن العالم. ومع أنّ هذا الحدث يُعدّ إنجازاً شخصيّاً لبوتين، فذلك لا يعني بالنسبة إليه تعليق العمل على الأهداف السياسيّة الأخرى. فاستعادة #درعا هي أوّلاً انتصار عسكريّ إضافيّ يبحث عنه في #سوريا، لكن الأهمّ هو أنّه انتصار على معارضة مدعومة - ولو بالحدّ الأدنى - من الولايات المتّحدة.


بوتين يركل كرة القدم - "أ ف ب"


وستكون كأس العالم الوسيلة الفضلى بالنسبة إليه لتشتيت انتباه جزء من الرأي العام العالميّ عن القصف العنيف ونزوح عشرات الآلاف من السوريّين. بالمقابل، ومع تحديد لقاء القمّة بين الرئيسين الأميركي والروسي والذي ستستضيفه هلسينكي في 16 تمّوز، أي بعد يوم واحد على نهاية البطولة، فإنّ استعادة السيطرة على درعا أو على معظمها سيكون هدفاً منطقيّاً لبوتين قبل ذلك التاريخ. من هنا أشارت هذه التطوّرات إلى أنّ العمليّة العسكريّة كانت دوماً وشيكة وغير مرتبطة بالحدث الرياضيّ على الرغم من أهمّيته المطلقة. فالهجوم العسكريّ على درعا لم يكن ليشتّت الانتباه عن البطولة، بما أنّ الأخيرة هي التي تلهي العالم عن الهجوم العسكريّ.

دافع شخصيّ وتاريخيّ؟

علاوة على كلّ هذه الأسباب، يبقى احتمال آخر قد يكون مرتبطاً بمسألة تاريخيّة وشخصيّة لدى الرئيس الروسيّ. من 7 وحتى 23 شباط 2014، كانت مدينة #سوتشي تستضيف الألعاب الأولمبيّة الشتويّة والتي انتهت باحتلال روسيا المرتبة الأولى فيها. لكنّ الأيّام الأخيرة من ذلك الحدث ترافقت مع اندلاع تظاهرات في أوكرانيا أدّت إلى إطاحة المعارضين لرئيسهم الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش في الحادي والعشرين من الشهر نفسه، بينما أمر بوتين بضمّ القرم في اليوم التالي.

في شباط 2018، ذكر أليكس باير في صحيفة "كييف بوست" الأوكرانيّة كيف أخبره صديق روسيّ أنّ "فلاديمير بوتين لا يزال غاضباً من الطريقة التي أطلقوا فيها الثورة في أوكرانيا خلال الألعاب الأولمبيّة في سوتشي لإفساد الانتصار الروسيّ. هو يريد الانتقام لكنّه أيضاً يريد أن تمرّ الانتخابات الرئاسيّة في آذار وبطولة كرة القدم بسلاسة". تعليقاً على كلام صديقه، يشير باير إلى أنّ "الروس يحبّون نظريّات المؤامرة". ويضيف أنّ بوتين قد يكون مقتنعاً في الواقع بأنّ باراك أوباما هو من "هندس" الثورة في أوكرانيا و"أنّ التوقيت اختير عمداً حين كانت روسيا منشغلة بالألعاب الأولمبيّة الشتويّة". وأضاف باير: "يمكن أن تكون موسكو محضّرة فعلاً لبعض الأذيّة على المسرح الدوليّ بعد كأس العالم".


بوتين إلى جانب رياضيّين روس مشاركين في ألعاب سوتشي


إذا كان بوتين مقتنعاً فعلاً بأنّ الأميركيّين حاكوا هذه "المؤامرة" مستغلّين ألعاب سوتشي، فقد لا يكون مستبعداً تفكيره بانتقام وفقاً لظروف مشابهة. لكن بما أنّ نهاية بطولة كأس العالم ستكون متبوعة باللقاء مع ترامب، يصعب أن ينصرف بوتين إلى عمل يمكن أن يظهره عدائيّاً تجاه الغرب ومحرجاً لنظيره الأميركيّ. لكن بالمقابل، قد تكون بطولة كأس العالم مناسبة لبوتين كي يعزل الأميركيّين في جنوب سوريا، كما كانت ألعاب سوتشي مناسبة لواشنطن كي تعزل روسيا في أوكرانيا، وفقاً لقناعة محتملة لدى الرئيس الروسي نفسه.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard