قصيدة المعدن لبولص ريشا

25 حزيران 2018 | 13:25

المصدر: "النهار"

من المعرض.

(تحية لمعرض منحوتات بولص ريشا في "غاليري أليس مغبغب") 

ينحني بولص ريشا على الحديد كمَن ينحني من أجل امرأة.

لا تذلّلاً ينحني، بل شغفاً.

بل ينحني حبّاً.

بل شبقاً.

بل شهوةً.

بل زهداً.

بل تصوّفاً.

بل نشوةً.

بل انتشاءً.

بل امحاءً.

بل اتحاداً.

وهو يتكئ.

كمثل مَن يتكئ ليختلي بظلاله وآهاته.  

وهو يتكئ، ليجترح.

وهو يقسو، ليلين.

لئلاّ يقال إن القسوة طبعٌ في مزاج الجسد الذي هو الروح.

وإذا لان، فمن أجل أن يتجمّر.

وإذا تجمّر، فلأجل أن يتخذ أشكالاً هي أشكاله المثلى.

وإذ تتلوّى الأشكال،

فمن أجل أن تنجب ذاتها بذاتها

بعد انصياعٍ لمنطق الرقص ولإيقاع الموسيقى.

ليس يتذكّر. يحلم.

ليس يقلّد. يفتح رؤاه لتتنشّق الهندسات الفالتة في الخيال.

لا يفتعل. لا يصطنع. لا يتظاهر.

يجتهد. يثابر. يتلاشى.

لكي، حين يغمض عينيه، يرى.

يلمس. يشحذ. يضرب. يهوي. يحمّي. يطرق. يزعزع.

لكي تتخربط الموجودات، وتعود الأعداد إلى نقطة الصفر.

هو لا ينحت تقرّباً من مثال.

هو ينحت، من أجل أن يفسح للمعدن أن يستعيد شرايينه ليؤويها. وتؤويه. 

وهو يبذّر الوقت في دم الصلابة،

ليصنع لنفسه وقتاً خارج الوقت، وحياةً تنافس الحياة.

لكن الرجل الصانع ليس هو الهدف. ليس هو الغاية. ليس هو المقصود.

هو يقصد روح المعدن الهائمة في اللاشكل، أوان صيرورته أشكالاً وأرواحاً لامتناهية.

هذا النحّات الشعبّي القرويّ البسيط الطيّب القريب البعيد الغريب...

هذا الـ بولص ريشا، من إجدبرا، من أعمال بلاد البترون،

وهو يصطاد غربته في المعدن،

ليكتب بها قصيدة المعدن.

akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard