مسرح جريمة

13 حزيران 2018 | 14:35

جريمة (لوحة لسلافة حجازي).

خلال تقديمه هديةَ بلوغي السادسةَ عشرة، طلب مني خالي التعرّي أمامه.  

ناولَني قضيباً طويلاً حادَّاً، طالباً مني أن أضربه بقوة، وأن أتفوّه بألفاظٍ قذرة وشتائم بشعة جداً خلال ضربه.

في تلك الليلة اغتصبني.

أسوأُ ما في الأمر، أنَّه قام بتصوير كلّ ما حدث.

توفيت والدتي في يومِ عيدِ ميلادي السابع عشر. كنتُ أغتسل في منزل خالي، عندما وصلتني رسالةٌ من خالتي فيها جملةٌ واحدة: "توفيتْ والدتك. أين أنتِ؟".

لم يعد التفكير في ذلك الوقت مؤلماً على رغم أنَّ استدعاء تلك الذكريات ليس صعباً البتة.

جلستُ صباحاً على طرف النافذة أتأمل الشارع. كلُّ ما رأيته، قططٌ تطاردُ بعضها بعضاً. أشعلتُ سيجارةً أخرى وأنا أحدّثُ نفسي: "إنَّه آذار إذاً".

تلقيتُّ قبل أيام دعوةً من زوجة خالي لحضورِ حفل زفاف ابنتها. كتبتْ في نهايةِ الرسالة: "لن أخاطبكِ ما حييت إن امتنعتِ عن الحضور".

بدا لي أنَّ كسراً في الساق هو أفضل حجة غياب في هذه الحال. غير أنَّي أكره ملازمةَ المنزل شهراً كاملاً. حتَّى الساعة السادسة مساءً، كنتُ أفكر في حجة غياب مقنعة، لكنَّي فجأةً قررتُ بدل ذلك البحث عن فستانٍ مناسبٍ لحضور هذا الزفاف السعيد.

ستُّ ساعاتٍ كانت تفصلني عن لقاءِ خالي للمرة الأولى منذ وفاة والدتي.

- هل أستطيعُ أخذ الأشرطة التي سجلتَها لي؟

- أنتِ لا تفهمين حقيقة الأمر. أنا أحبّكِ، وأودُّ مشاهدة ما حدث بيننا دائماً. ليس الأمر كأنَّي أريد ابتزازكِ بها.

- ولكن... ألا تخافُ من أن تقع في يدِ أحد؟

"إنَّها سرُّنا الصغير"، قال مبتسماً، وطبع قبلةً على جبيني.

جلستْ بجانبي سيدة عجوز وأخذتْ تقضم البسكويت كفأرةٍ صغيرة، مُصدرةً أصواتاً مزعجةً شتتتْ تركيزي. غير أنَّي كنتُ ممتنة لذلك، فأنا لا أحتاج لتذكرِ أيٍّ ممَّا حدث.

طرقتُ البابَ طويلاً قبل أن تفتح زوجة خالي بابتسامةٍ عريضة، هاتفةً بصوتٍ حادٍّ يتْعِب الأعصاب: "لم أكن لأغفر لكِ غيابكِ عن هذه المناسبة".

زيارةُ منزل خالي بعد كلٍّ ما حدث، أشبهُ بزيارةِ مسرح جريمة. كلُّ بقعةٍ فيه تحمل أثر اعتداء.

حاولتُ جهدي التصرف كفردٍ من العائلة، لكنَّي أمام استغراق الجميع في حديثِ ذكرياتِ العائلة، طلبتُ الانسحاب.

مضى اليوم الأول من زيارتي من دون أن أقابل خالي، فقد كان مسافراً في عملٍ مهم. "سيأتي غداً صباحاً"، قالتْ زوجةُ خالي قبل أن تطفئ ضوءَ غرفتي، متمنيةً لي أحلاماً سعيدة.

استطعتُ التعرفَ إلى صوتِ خالي بسهولة بعدما أقنعتُ نفسي بأنَّي نسيته تماماً.

مددتُ يدي لأصافحه من مسافةٍ تمنيتُ لو أني تمكنتُّ من وضعها بيننا قبل اليوم.

طبع قبلةً على جبيني وقال بتأثرٍ: "لا تزالين جميلةً كأمكِ. كم أتمنى لو أنَّها بيننا اليوم".

العشاءُ لذيذٌ جداً والجميعُ سعداء. كنتُ في موقفٍ لا أُحسدُ عليه. فأنا اليوم أجالسُ رجلاً اغتصبني منذ أعوامٍ سئمتُ من عدّها، وعلى رغم ذلك لا أستطيع مواجهته فعلاً.

ليلاً طرقَ خالي باب غرفتي. وقفتُ خلف الباب أرتجف وهو خلفَ البابِ يقول: "أرجوكِ افتحي. دعينا نتحدث قليلاً". اتجهتُ نحو السرير ودفنتُ رأسي بين الوسائد وبكيت.

يوم الزفاف كان صاخباً. فمنذ الصباح امتلأَ البيت بالحركة والنشاط. التزمتُ غرفتي طوال الوقت ولم أخرج منها إلا مساءً. عندما خرجتُ كان الجميع قد اتجه إلى مكان إقامة الحفل، باستثناء خالي وزوجته اللذين انتظراني لنذهب معاً.

في السيارة دارتْ في رأسي الأفكار والحوارات التي يمكن أن تنشأ بيننا في هذه اللحظة :

- هل كنتَ مستمتعاً؟

- لم أقصد إيذاءكِ. صدّقيني. فأنا كنتُ أحبكِ...

- كنتُ طفلة...

- كنتِ ولا تزالين أجملَ امرأةٍ رأيتها في حياتي.

"وجهكِ شاحب، هل أنتِ بخير؟"، سألتني زوجة خالي، قبل أن نترجل من السيارة. فابتسمتُ قائلةً: "أنا بخيرٍ تماما".

في اللحظاتِ الأخيرةِ من الزفاف، اقتربَ مني خالي هامساً: "أتلفتُ جميعَ الأشرطة بعد رحيلكِ بأشهرٍ قليلة". صمتَ لثانيتين ثمَّ تداركَ قائلاً :"هل ستغفرين لي ما فعلتُ في يومٍ من الأيام؟".

كنتُ على وشكِ قول شيء ما عندما أخبرتني ابنة خالي أنَّ هناك من يريد رؤيتي.

سرّتني رؤيةُ زوجي الذي أقلقه وجودي وحيدةً مع مسخ ماضيَّ القاتم.

- هل أنتِ بخير؟

مسحتُ دموعي بصعوبة وصرخت. صرختُ كثيراً وعالياً فعانقني قائلاً: لقد انتهى كلُّ ذلك. انتهى تماماً. جمعتُ أغراضي في اليوم التالي وغادرنا صباحاً أنا وزوجي. ودعتُ الجميع بحرارةٍ لم أستطع تمثيلها لحظةَ وصولي. عانقتُ خالي وهمستُ في أذنه: أعتقد أنَّ ابنتكَ أتمتِ الخامسةِ عشرة. أليس كذلك؟

(كاتبة سورية)

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard