في مديح الثياب المستعملة (البالات)

10 حزيران 2018 | 11:10

المصدر: "النهار"

"ان العدل أقلّ تكلفة من الحرب، ومحاربة الفقر أجدى من محاربة الإرهاب" (أحلام مستغانمي) 

"إنّنا في نظام يغذّي الفقر تلقائيّاً، ويضاعف ثروات أغنيائه" (مهنّد الحاج علي)

في خضمّ التقاتل على الأحجام والحصص الوزاريّة، وفي غمرة الضجيج حول تهريب مرسوم التجنيس لرجال أعمال ومتمولين من جنسيات عربية وأجنبية مختلفة، ورد خبرٌ في جريدة "المدن" الإلكترونيّة بتاريخ الأول من حزيران تحت عنوان "وزارة الاقتصاد تحذّر: الألبسة المستعملة تضرّ بالصحّة والبيئة".

في التفاصيل أن وزير الإقتصاد رائد خوري تقدّم باقتراح إلى مجلس الوزراء بتاريخ 16 أيار يطلب فيه منع استيراد الألبسة المستعملة كلّياً لأن هذه الألبسة، إضافةً إلى ضررها الصحي والبيئي، تُغرق الأسواق اللبنانية بالبضائع، واقترح الوزير استبدال البالات باستيراد ثياب صينيّة جديدة ورخيصة، كون الثياب المستعملة تحمل بكتيريا وميكروبات نتيجة التخزين الطويل وتعرّضها للشمس والمطر في محال وأسواق مكشوفة لفترات طويلة، ما يضرّ بالصّحة والبيئة.

تورد الجريدة أن مصادر في جمعية تجار بيروت تربط اقتراح الوزير بالصراعات بين كبار تجّار الألبسة، ولاسيما أن بعضهم يدخل ألبسة جديدة تحت ستار الألبسة المستعملة ويحقق بذلك أرباحاً طائلة تصل إلى 200%، وبأن صراعات التجار قد امتدّت إلى داخل الحكومة.

إنها لفتة كريمة من وزارة الاقتصاد أن تهتم بصحّة الشعب اللبناني ولا سيما الطبقات الشعبية، وسط هذه المعمعة الحسابيّة في اقتسام الوزارات، "السيادية" منها والخدماتيّة. مع أن أخطاراً جمّة تهدّد صحة اللبنانيين وسلامة البيئة لم يلتفت إليها أحد من قبل، حتّى أن الحملات الانتخابيّة بشعاراتها وخطاباتها لم تُفرد مكاناً للطبقات الشعبية وللفقراء الذين كانوا يصفّقون ويهتفون للزعماء في الشوارع وهم يرتدون ثياباً مستعملة وينتعلون أحذية من البالات.

من المستغرب أن يهتم وزير الاقتصاد بالصحّة والبيئة بوجود وزيري صحّة وبيئة أصيلين لم يشيرا يوماً إلى أضرار الثياب المستعملة صحيّاً وبيئيّاً، إلا إذا كان الوزير يعتبرهما مقصّرين ويريد أن ينبّههما إلى مسؤوليّتهما. مع العلم أن الموقع الإلكتروني لوزارة الاقتصاد يحدّد مهمّات الوزارة ولا سيما مديريّة حماية المستهلك بالسهر على لقمة عيش اللبنانين وبمنع الغشّ والتزوير والتلاعب بالأسعار ومراقبة سلامة الغذاء وجودة البضائع والإعلانات الخادعة وارتفاع أسعار البضائع والكشف على مستودعات التخزين وحماية الإنتاج المحلّي من المزاحمة الأجنبيّة وتشجيع المؤسسات الصغيرة ودعمها وتثقيف المستهلك من خلال تعريفه على حقوقه وواجباته وإجراء تفتيش روتيني لأماكن العمل التجاري وتقييم الأخطار.

فهل قامت الوزارة بكل هذه المهمات لتتفرّغ لمنع استيراد الألبسة المستعملة؟

وهل بهذا المنع تستقيم الأمور ويسترجع اللبنانيون صحتهم ويصبح لبنان أكثر نظافةً واخضراراً، وبمنأى من كل الأمراض والأوبئة؟

الموضوع إذاً هو الثياب المستعملة (البالات) وخطرها الصّحي والبيئي واقتراح الوزير بمنع استيرادها كليّاً.

هنا لا بد من سؤال معالي الوزير: هل تعرف أجهزة الوزارة مواقع الأسواق الشعبية التي تبيع ثياباً مستعملة في طرابلس وبيروت وصيدا وصور وبعلبك وزحلة وعكار والنبطية وسائر القرى والمدن اللبنانية؟

هل زار يوماً نهر أبو علي للتعرّف إلى البضائع وطريقة عرضها، وإلى رواد هذه الأسواق من الشرائح الاجتماعيّة؟

وإذا كانت طرابلس أو بعلبك أو عكار بعيدة عن بيروت، هل قام معاليه بجولة ميدانية في الأسواق الشعبيّة في النبعة والدورة وبرج حمود والطريق الجديدة والشياح في بيروت؟

تالياً، هل يعرف مَن في السلطة، من أين يتبضّع الفقراء وما تبقّى من الطبقة الوسطى؟

هل أجهزة الوزارة على اطّلاع على موجودات المحلات التي تبيع ثياباً مستعملة وما تجده العائلات في البالات من (جاكيتات وأنوراكات وشورتات وتي شورتات وكنزات وقمصان وبدلات وكلسات وفساتين وبناطلين ومعاطف وشراشف وملاحف وبرادي وأغطية طاولات وسجاد وجزمات وأحذية عادية وأحذية رياضية وثياب داخلية للرجال والنساء والأطفال من كل الأعمار لكل الفصول ولكل المواسم ولكل الأعياد ولكل الأعراس بأبخس الأثمان)؟

هل يدرك الوزير ومسؤولو الوزارة أن عجقة الأسواق الشعبية ومحال الثياب المستعملة تفوق عشرة أضعاف عجقة "المولات" وأن غالبية العائلات اللبنانية تتسوق من البالات ومحلات الستوكات التي لا يعرفها سكان الأبراج العاجية ومنظّمو الأعراس الأسطوريّة ممن يجهلون سعر ربطة الخبز؟

هل يعرف المسؤولون وغالبيتهم من المتمولين ومن رجال الأعمال وممثلي الشركات التجارية والمؤسسات ومن رؤساء مجالس الإدارة، أن الطبقات الشعبية ولا سيما الفقراء منها لا يعرفون من "داون تاون" و"سيتي مول" و"دون" و ABc" وشارع الحمرا في بيروت إلا الاسم؟ وأنهم لا يعرفون من شارع عزمي وشارع نديم المنلا ومنطقة الضم والفرز في طرابلس إلا الإسم؟ وإن صدف وقصدوا تلك الشوارع والمحلات للتنزه والسياحة الداخلية فهل تعرفون كيف يحدّقون في الواجهات بكآبة ولامبالاة وأحياناً كثيرة بغضب وحقد طبقي؟

هل يدرك أحد من المسؤولين فرحة إحدى الأمهات أو الصبايا أو طالب جامعي وهم يتباهون بقطعة ثياب أو بحذاء "لقطة" من البالات وأنهم قد "بعصوا" التجار وارتفاع الأسعار؟ وأنهم يرتدون ماركة شهيرة بسعر رخيص "وبتضاين"؟ هل شاهد أحد منهم امرأة تتباهى أمام جارتها بأنها "توفقت" بفستان من البالات ومن ماركة عالمية مشهورة وأن أحداً لم يعرف من أين اشترته وبكم؟ وهل رأى أحدهم إحدى "ستات البيوت" تبالغ في وصف السجادة "اللقطة" التي مضت على شرائها سنوات وهي بسعر متر السجاد الجديد في المحلات المعروفة؟

من المؤكد أن الخبراء في جمعيات التجار وفي وزارة الاقتصاد يدركون جيداً الفرق بين الثياب الصينية التي ينصح بها معالي الوزير وبين الألبسة المستعملة المستوردة من فرنسا وإيطاليا وبلجيكا واوستراليا وأميركا ولا سيما من ألمانيا التي تخضع لعمليات التطهير والتبخير، ويدركون أيضاً أن أسواق البالات معروفة في كل العواصم الأوروبية، ويقصدها كل الناس الفقير منهم والمقتدر، كما يقصدها اللبنانيون المقتدرون لأن هناك "لا مين شاف ولا مين دري".

وبما أننا نتحدّث عن الألبسة المستعملة وعن الطبقات الشعبية، لا بدّ من أن نسأل الذين يتحدّثون باسم الشعب من الطبقة السياسية ولا سيما الحرصاء على حقوق طوائفهم وخاصّةً الذين يطالبون الناس بالتجذر في أرضهم، هل أجرى هؤلاء دراسة للحد الأدنى للأجور وقيمته الشرائية وما يمكن للمعاش (هذا إذا وُجد) أن يغطي من حاجات عائلة مؤلّفة من أربعة أشخاص؟ هل يكفي للطعام والشراب والسكن والتنقل والمحروقات والاستشفاء وفواتير الماء والكهرباء والهاتف؟ هل يغطي الحدّ الأدنى للأجور دخول طفل إلى المدرسة مع الزي المدرسي وحذاء الرياضة والكتب والأقلام والدفاتر والحقيبة المدرسية والـ"fourniture" و"منقوشة الزعتر" عند الاستراحة وذلك من دون احتساب القسط المدرسي؟

ولندع المدارس والجامعات والـ"foyer" والسرفيس جانباً، هل يغطّي الحدّ الأدنى للأجور ثمن الألبسة الصينية الجديدة التي تنصح بها وزارة الإقتصاد في أعياد الميلاد والشعانين والفصح والأضحى والفطر؟

وإذا كان اقتراح منع استيراد الثياب المستعملة هو من باب الحرص على الصحة والبيئة، فلا بدّ من سؤال المعنيين: هل هذه تشكل ضرراً صحياً وبيئياً أكبر من النفايات المنتشرة في الشوارع وبين المنازل وفي الوديان وعلى القمم؟ هل تشكل ضرراً أكثر من مطمري برج حمود والكوستابرافا وغيرهما من المطامر العشوائية؟ هل هي مضرة بالصحة والبيئة أكثر من النفايات الطبية والبطاريات وزيوت المحركات والمجارير؟ هل الثياب مضرّة أكثر من أكياس النايلون غير القابلة للتدوير؟

هل الثياب المستعملة أكثر ضرراً من المقالع والكسارات والمرامل؟

أمّا بالنسبة لعرض الثياب في الهواء الطلق تحت المطر والشمس، فهل هذا أكثر خطراً من عرض الخضر والفاكهة بعد رشّها بالماء أمام المحال التجارية وعلى طول الطرق الرئيسية؟ أو من الذبائح المعلقة أمام الملاحم في القرى؟

وهل دواخين المعامل في شكا وسبلين وسلعاتا والزوق ومجرى الليطاني أقلّ ضرراً على البيئة من الألبسة المستعملة؟

تالياً أين الإحصاءات والدراسات والجولات الميدانية والتقارير الطبية التي تدعم اقتراح معالي وزير الاقتصاد (بعض العارفين يتحدّثون عن قلّة جودة البالات الخليجية)؟ ولكن هل سمعتم أن أحداً أُصيب بمرض السرطان من جرّاء ارتدائه ألبسة مستعملة مع أننا نسمع كل يوم عما تتسبّب به الأدوية الزراعية المهرّبة والممنوعة في بلدان المنشأ والأسمدة الكيميائية من الأمراض الجلدية والسرطان؟ لم نسمع بموت أحد اشترى ثوباً مستعملاً من أسواق بيروت وطرابلس بينما سمعنا بأدوية السرطان المزوّرة، والمشروبات الكحولية المزوّرة والمواد الغذائية الفاسدة وغير المطابقة للمواصفات، والأفران المتفلتة من كلّ رقابة، والمطاعم التي تقدّم لحوماً وأسماكاً فاسدة، وعن البحر الملوّث والهواء الملوّث ومياه الشفة الملوّثة والمزاحمة الأجنبية للحوم والدجاج والحليب والبيض عدا الفواكه والخضر.  

كم قرأنا وسمعنا عن تجارة الألبسة وجشع التجار وتلاعبهم بالأسعار في مواسم الخفوضات، وكم قرأنا وسمعنا عن تمثيل الطبقة السياسية لمصالح المتمولين والمحتكرين والتجار ولعلّ اقتراح منع استيراد الألبسة المستعملة يخدم مصالح كبار التجار لأننا نعيش في نظام اقتصادي وضريبي يغذّي الفقر تلقائيّاً ويضاعف ثروات الأغنياء الذين يشكّلون 10% وتبلغ ثرواتهم 61% من الدخل الوطني (توماس بيكتي) بينما الفقراء ومتوسطو الحال يزدادون فقراً نتيجة تدهور القيمة الشرائية لرواتبهم بسبب ارتفاع الأسعار حتى أضحى الفقر يطال مليوناً ونصف مليون من أصل أربعة ملايين لبناني (الأمم المتحدة) ومعدل البطالة بلغ 36% (MTV). ولن يتمّ التحرّر من عبودية الفقر إلا بإصلاحات اقتصادية بنيوية جذرية وبإصلاح النظام الضريبي الجائر.

من المتعارف عليه أن جمهور البالات يتشكّل من فقراء وأغنياء. فالفقراء يبحثون عن القطع البخسة الثمن، بينما الأغنياء يشترون الماركات المشهورة من فرو وجلد وسجاد ويتركون أرقام هواتفهم للإتّصال بهم عند فتح بالة جديدة، ويحرصون على إخفاء هويّتهم ويذهبون خفيةً إلى الأسواق متحجّجين بثياب الخدم.

من المتعارف عليه أيضاً وبحسب الأطبّاء أن الثّياب المستعملة ولا سيما الآتية من بلدان الخليج هي ناقلة للجراثيم والبكتيريا من تنيا وجرب وقمل وفطريّات نتيجة التخزين الطويل والنقل. لذا بدل منع الإستيراد، على وزارة الإقتصاد توعية المستهلكين عبر الطلب منهم تعقيم هذه الألبسة بالغسل والتنظيف والكي والتّهوئة والتّطهير، لأن البالات تبقى المتنفّس الوحيد للطبقات الشعبية نظراً لارتفاع أكلاف المعيشة في لبنان، كما تبقى الثأر الطبقي من فحش حديثي النعمة.

لعلّ من المستغرب طرح مثل هذا الاقتراح من دون إثارة أي ضجّة أو نقاش عام، إلّا إذا كانت هناك قطبة مخفيّة خدمةً لكبار التجار، وليتعلّم المستهدفون بهذا المنع ممّا يجري في الأردن من احتجاجات على ارتفاع الأسعار التي أدّت إلى استقالة الحكومة. وكما يقول دوستويفسكي: "الفقر ليس خطيئة وإنّما الخطيئة أن يكون المرء غنيّاً ويُهين الآخرين". أو كما يقول صلاح عبد الصبور: "لا يوجد مستقبل في بلد يتمدّد فيه الفقر كما يتمدّد الثعبان".

إنّه لأمرٌ غريب هذا النقص الفاضح في المعرفة الاجتماعيّة في أوساط هذه الطبقة السياسية التي لا تعرف شيئاً عن أحوال رعاياها.  

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard