الانقلاب الرمضاني في العشر الأواخر: حركة وصخب وألفة وانتظام

9 حزيران 2018 | 16:08

المصدر: "النهار"

مع دخول شهر رمضان المبارك أيامه العشرة الأخيرة، تشهد حياة الصائمين تطورات تراوح بين الإيماني، والحياة العامة، والنشاط والحركة.  

على الصعيد الإيماني، لآخر عشرة أيام من رمضان معانٍ ومميزات خاصة، وينقل الفقهاء من الأحاديث الشريفة أن "آخره (رمضان) عتق من النار". كما يقسم الفقهاء الشهر إلى ثلاثة اقسام، لكنها في حكم المتعارف عليه، والمقبول من الجميع طالما لا تتعارض مضامينها مع المعاني الإيمانية الدينية بصورة عامة، أو المتعلقة برمضان بصورة خاصة، فهم يقولون إن "رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار".



والمقصود بـ"آخره"، ما هو رائج في صفوف المسلمين ويقال له "العشر الأواخر من رمضان"، ويستحسن بالصائم في هذه الفترة تحري ليلة القدر، والاعتكاف، وتلاوة القرآن الكريم، والإنفاق في سبيل الله.

وتخصص ليلة القدر بقيمة كبيرة في القرآن الكريم، حيث تخصص هذه الليلة بسورة خاصة هي سورة "القدر"، ذلك أن الإسلام يعتبر أن القرآن الكريم أُنزل في هذه الليلة بالتحديد، ولذلك أعطاها قيمة كبيرة، فـ"ليلة القدر خير من ألف شهر" على ما ورد في القرآن.

يحتفل بهذه الليلة بالصلوات الطويلة حتى مطلع الفجر، وينتظرها المؤمنون للاحتفاء بها، ويخصصون لها أدعية خاصة.

كأن الجانب الإيماني من الشهر الفضيل يلقي بظلاله على المؤمنين، ففي آخر عشرة أيام، وقد مضى على الانقلاب الرمضاني أكثره، تزداد الحركة ليلا، وينشط المؤمنون بكل اتجاه، يتلاقون حيث تفرقوا في بقية الأيام تحت وطأة الحياة الحديثة، وما تفرضه من تفرقة، ونزعات فردية، لم يكن ينقصها إلا التلفزيون، والانترنت، وجواله ليفاقم نزعة الفردية، والعزلة، وابتعاد الناس عن بعض، وعندما يحل رمضان، خصوصا في آخر عشرة أيام منه، يتسارعون إلى اللقاء، والعودة إلى حياة الألفة التقليدية، وممارسة التراثيات من المآكل والمشارب.

في هذه الأيام التي تعتبر جزءا من العشرة الأواخر من رمضان، تشهد مدينة طرابلس حركة ليلية غير مسبوقة حتى في زمن عز المدينة أواسط القرن الماضي. الشوارع خلية نحل تشع بأنوار السيارات، والمحلات التجارية، وتغص شوارعها وأرصفتها بالناس خصوصا منهم من بدأ يتحضر لملاقاة العيد، فراح يجول في السوق بحثا عما يناسب من ثياب وأحذية للعائلة. وفي التجوال الليلي الطويل، لا بد من فنجان قهوة من المصبات، أو كعكة طرابلسية خاصة، أو حلوى لا يتوافر بعضها إلا في رمضان كالكربوج، والشميسة، ناهيك عن العصائر المسبقة الإعداد كالخرنوب، والسوس، والجلاب التي تعرض على بسطات منتشرة في محتلف أنحاء المدينة حيث يتخذ بعض الباعة من المناسبة ظرفا للإدخار وتحقيق بعض ربح غير متاح في بقية الأيام، أو الطازجة كعصير الليمون، والتوت، والجزر وسواها.

ما إن ينتهي الإفطار، حتى تبدأ مواكب العائلات بالتوافد إلى السوق. هذا العام، وخلافا لبقية الأعوام، خلع المواطنون المسلسلات التلفزيونية دون إعلان، ولم يضيئوا الشاشات، ونزل كل منهم يبحث عن مبتغاه، كصديق، أو قريب قلما أتيحت لهم فرص اللقاء في الأيام والليالي الباقية، وبحثوا عن وسيلة تسلية خارج المنزل وهي كثيرة، فالنرجيلة في كل مكان من الأحياء القديمة والحديثة، في مقاهي التل، وباب الرمل، وباب التبانة، والضم والفرز، وعلى كورنيش الميناء ومقاهيه المتجددة، ويمكن القول في كل زاوية شارع، ونقطة في الأحياء.

يمكن للمتجول وصف مشاهداته في الشوارع ليلا والقول إن المدينة انتقلت من المنازل إلى الشوارع كأنها منفلتة من حصار الحداثة المنزلية التي تفرض العمل الطويل المتعب، والدراسة الطويلة المركزة وكلاهما، العمل والعلم، مادتان للحصار في دواخل المنازل. لكن رمضان جاء حاملا انقلابه، ومتيحا لهم الخروج، فانفجرت الشوارع والأحياء بهم، مجالس في كل مكان، وتجوالاً في كل شارع، وأنوار سيارات لا تهدأ، وبيعاً وشراءً قل نظيره في حركة متداخلة غير متناسقة، لكنها غير متضاربة، تنظمها الألفة، والرغبة في الفرح، وعيش رمضان الكريم على كرمه.

في العشر الأواخر أيضاً تظهر بعض الطقوس التي لا تمت إلى الدين بصلة وهي فرق الطبل، والصنوج، التي تؤمن المسحراتيين خلال ليالي الشهر الفضيل، لكنها في العشر الأواخر، تبدأ زحفها فرقا جامعة تضم المنشدين وقارعي الطبل، والدفوف، والصنوج، تصعد الفرق إلى المباني بأصوات قرعها الصاخبة، وأناشيدها الروحانية ملؤها الأدعية، والابتهالات، حيث يستقبلها الناس، ويقدمون لها ما يشاؤون من إكراميات.

الباعة مسرورون أكثر من السابق لأن العام الحالي شهد حركة استثنائية غير عادية، ويقول عصام، بائع غزل البنات: "يا ليت كل أيام السنة رمضانية. شهر كريم احيا فينا الروح، والأمل أن البلد يتجه نحو الأفضل".

وقالت رباب، بائعة في محل للملابس في شارع عزمي: "اعتدنا أن نشهد نشاطا مميزا في رمضان، لكن هذا العام، كان رمضان أجمل، وكريما بما فيه الكفاية".

وفي شارع التل، حيث تزدحم المحلات بالباعة، قال بائع أحذية إن محله لم يشهد هذه الحركة منذ سنين طويلة رغم أن ماركته شهيرة، وقديمة، وتعود لأوائل القرن الماضي".

والضناوي، بائع الخرنوب القابع منذ قرن ونصف على زاوية ساحة السراي العتيقة، قال إن "بسطته استعادت عافيتها السابقة هذا العام بعد شبه جفاف في السنوات التي لم تكن أوضاع المدينة سليمة".

أما العامودي، بائع الجلاب في شارع التل، فقال: "اهلا بمن قد شرّفا، بقدومه حلّ الوفا"، ويتابع: "الحمد لله هذا العام، شهدنا حياة أفضل من السابق، وان شاء الله الخير لقدام".

وقال بلال، بائع الكعك والإقبال متزايد على سخونة كعكاته: "هنا الكعك الطرابلسي الشهير، مبروم ومنتفخ، وساخن، نكهته خاصة. هذا شغل المدينة، وهي معروفة به".

رغم كل ذلك الصخب والفرح، تظل المأساة موجودة، فعلى رصيف طريق الميناء، لم تغادر العجوز المعروفة حافة الرصيف ولا تزال حتى في شهر الخير والبركة، بلا معيل. كما لا تغيب بعض المشاهد المحزنة كمشهد فتى يفترش الشارع العام، ومثلهما كثيرون.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard