مي عريضة من الذاكرة أحيت تاريخ بعلبك

13 أيار 2018 | 13:28

المصدر: "النهار"

مي عريضة.

في مناسبة رحيل الرئيسة الفخرية لمهرجانات بعلبك الدولية #مي_عريضة، نستعيد مقالاً للزميلة مي منسّى في صفحة "أدب فكر فن" في "النهار" بتاريخ 7 كانون الأول 2013، تتحدّث فيه عن الراحلة الكبيرة.

"كنت في مرافقتي لها الى بعلبك، اترك لها حلاوة الكلام عن ذلك الماضي المديد الذي لم يتجرأ يوما على ذرة من جمالها حتى الى حين عبرت الثمانين وظلت الست مي الوفية لصورتها القديمة التي لم تشخ. 

اثناء المسافات الطويلة التي كنا نقطعها بين بيروت والبقاع وصولا الى القلعة، كانت هي الحكواتية، امج من تلك الذاكرة النيرة تاريخ لبنان مثلما عاشته من زمن الانتداب الى الاستقلال، فزمن المهرجانات والعودة الى القلعة بعد الحرب، متفائلة وفاعلة، حتى تبقى مهرجاناتها في ذاكرة العالم.

وكنت ونحن نعبر السهول والقرى اسألها:

"متى يا ست مي ستكتبين مذكراتك؟" فتجيب ابنة الثمانين "ذات يوم" غير مبالية بآفات العمر المتربصة على قارعات الحياة الى ان صدرت هذه المذكرات بقلم الكاتب المسرحي نبيل الاظن، كما حكتها له، بحذافير تلك المرأة التي اختبرت الوجود في السراء والضراء، في الجاه والرخاء في معاشرتها مشاهير السياسة وعمالقة الموسيقى والمسرح والرقص وظل نجمها ساطعاً حتى بعد ان تعب لبنان من جنون حربه، ولم تتعب طالما بقيت هي ذلك الجسر المنيع بين العالم وهياكل بعلبك.

"مي عريضة، حلم بعلبك" عنوان لسيرة ما زالت تتفاعل في الذاكرة، ذاكراتنا. وستبقى وجهاً ثقافياً نيراً من تاريخ لبنان العريق.

نبيل الاظن تراءت له مي عريضة صبية اولا، ثم امرأة على مراحل من التاريخ، هي التي رأت النور قبل اشهر قليلة من اعلان المفوض السامي هنري دي جوفنيل، من على شرفة قصر الصنوبر، الدستور اللبناني في 23 ايار عام 1926.

هل السيدة مي عريضة في سيرة حياتها المديدة حضت الكاتب على ان يكون لهذا الكتاب تاريخان؟ تاريخ لبنان المعاصر وتاريخ آل سرسق العريق الذي منه اشرق نجمها الى تحررها من قيود الاسم، وانتقالها الى رحاب مجتمع غني بابداعه وروائعه المسرحية والغنائية والراقصة، مهرجانات بعلبك التي جعلت منها اسطورة من اساطير سكان الهيكل؟

في مقدمة الكتاب كتب الاظن: "كان ذلك في صالون الكتاب الفرنسي عام 2011، وكنت في جناح "المجلة الفينيقية" موقعاً ديوان شعري "ست وعشرون رسالة وحفنة غبار"، حين رأيت مي عريضة. عرفتها الى سيبيل فريدل صاحبة الرسوم في الديوان، ومن كلمة الى اخرى طلبت منها ان تروي لها لقاءها بعازف الفيولونسيل العالمي مستيسلاف روستروبوفيتش. كانت تروي، وصوت داخلي يهمس لي بأن في داخل هذه السيدة ذاكرة حية من المؤسف الا تترك اثراً منها في مذكرات. وكانت أمنيتي ان اكتب ما توحيه الي، قصة من الخيال وولادتين: الاولى مع مهرجانات بعلبك منذ 1956 وحتى 2011، والثانية ولادتها مع توأمها الدستور اللبناني". ولم يغب عن قلمه شعورها المرير ولبنان يحترق تحت وابل القنابل.

لم يستهل الاظن السيرة كما قصص الاساطير بكان يا ما كان، بل كان قلمه يلاحق ذاكرة حيّة ما زال الماضي يقطر فيها زيتاً حتى لا تصدأ. فالماضي يعيش متغلغلاً في حاضرها يؤنسها كما يحزنها. وحين تتذكر فكأن هواء يلملم كلماتها الآتية من أزمنة مختلفة ويجمعها على ورقة. فمي عرضة لم تحفر في حياة الرجل الاول مدى سبعة اعوام قالت انها كانت أسعد ايام حياتها، لكن للسعادة زمن، ينتهي عند حده الحلم ليقظة مريرة لم تكن في البال.

كايقاف السيارة امام فندق صوفر الكبير في ذهابها الى بعلبك. والعدسة دامعة مصوبة الى هذا المكان الذي لاقى العز والافراح وصيفيات الجبل الملاح. التقاط صورة الفندق متشحة بعد حرقه بثوب الحداد تعبير عن حنينها الى لبنان، كان الزهو فيه والترف فضيلة. والقلب يحترق مرة أخرى حين رأت زوجها كارلوس عريضة يبكي وطائرات شركة "ليا" حطاما يوم قصفت فيه اسرائيل مطار بيروت. هذه الخسارة الفادحة التي تركت في فمه طعم الرماد. غادر كارلوس عريضة الى المكسيك وبقيت مي ضحية مسؤولياتها حيال أمها وشقيقها رنيه.

في الفصل الاخير من قصة امرأة صامدة امام الصعوبات، يتأملها الاظن واقفة على شرفة منزلها تراقب القنابل المتساقطة في هذا الليل حتى اصبحت ملمة في الاتجاهات المنطلقة منها. في هذه الوحدة يقول: تلجأ مي الى حامات البيت الذي ورثته عن والدها. تزور سيدة النورية الدير الذي رممته والدتها تبوح شجنها للاشجار التي يحكي عنها الكتاب المقدس. تعيد الحياة، كما تتخيلها كايفاء وعدها بدعوة ماريا كالاس لاحياء حفلة في معبد باخوس. هي جالسة في الصف الامامي وماريا كالاس تغني دور كاستا ديفا في أوبرا نورما، ومي لا تسيطر على دموعها. لاحظت فيسكونتي بين الحضور. تسأل نفسها كيف وصل الى هنا؟

تسلحت بالشجاعة وصعدت الى بعلبك مع شقيقها رنيه. حلمها الكبير هو في اطلاق المهرجانات مجدداً. السوريون حلوا مكان الفلسطينيين في القلعة. تطلب منهم استرجاع ما كان ملكا للمهرجانات من برامج وملصقات واضاءات وما تبقى من المقاعد. قرارها حاسم. المهرجانات ستعود لتأدية رسالتها، كما بالأمس".

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard