نتنياهو في روسيا ... بين طرح المطالب وحسن قراءة أفكار بوتين

9 نوار 2018 | 19:55

المصدر: "النهار"

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عرض عسكري اليوم بمناسبة ذكرى الانتصار على النازية - "أ ف ب"

تحرّكت إسرائيل مباشرة بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد #ترامب انسحاب بلاده من الاتّفاق النوويّ مع إيران. سياسيّاً، رحّب رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بالقرار الأميركي واصفاً إيّاه ب "الشجاع والصحيح". على الصعيد العسكري، وبعد انتهاء خطاب ترامب بفترة وجيزة، شنّت مقاتلات إسرائيليّة غارات على مواقع عسكريّة في منطقة الكسوة بريف #دمشق، بينما قال مصدر عسكريّ سوريّ إنّ الدفاعات الجوّيّة تصدّت لصاروخين إسرائيليّين ودمّرتهما في الكسوة. أمّا المرصد السوريّ لحقوق الإنسان فقد أشار إلى مقتل 15 مقاتلاً من جرّاء الغارة بينهم 8 إيرانيّين. لم تكن هذه الهجمات هي الأولى من نوعها في سوريا، إذ إنّها تأتي ضمن سلسلة من التصعيد العسكريّ الذي تمارسه إسرائيل منذ حوالي شهر.

لكنّ تزامن الضربة الأخيرة مع اتّخاذ #واشنطن قرارها النهائيّ تجاه الاتّفاق النوويّ يبرز استعجالاً إسرائيليّاً كان واضحاً خلال الأشهر الماضية لكي تسلك الولايات المتّحدة سياسة أكثر تشدّداً تجاه الإيرانيّين. ولعلّ الضربة الأخيرة تشكّل رسالة إلى الأميركيّين تذكّرهم بأنّ المهمّة لم تنتهِ هنا، وبأنّ خطوات أخرى مطلوبة منهم، قد يكون من بينها دعم عمليّات عسكريّة إسرائيليّة أوسع داخل #سوريا. ولا شكّ في أنّ نتنياهو ينظر إلى القرار الأميركيّ على أنّه "انتصار" لديبلوماسيّته وأفكاره التي أقنعت أو شجّعت ترامب على اتّخاذ قرار الانسحاب. ومنذ عشرة أيّام، عرض رئيس الوزراء الإسرائيليّ ما سمّاه "أدلّة" عن تطوير إيران السلاح النوويّ ضمن برنامج أماد السرّي.

غموض أميركي

بالنسبة إلى نتنياهو، لا يستطيع ترامب الاكتفاء بسحب بلاده من الاتّفاق النوويّ من دون أن يقيّد النفوذ الإيرانيّ داخل سوريا والذي بات يشكّل هاجسه الأكبر. لذلك، لا يمكن أن يُنظر إلى التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ داخل سوريا إلّا من خلال دفع الإدارة الأميركيّة إلى تبنّي مراعاة "الهواجس" الإسرائيليّة ضمن سياساتها. أتى ذلك بعدما شهدت الأشهر الأولى من هذه السنة فتوراً في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب بحسب ما نقلته صحيفة "تايمس أوف إيزراييل". لكن إلى الآن، وعلى الرغم من الرضا الإسرائيليّ على قرار ترامب، من غير الواضح ما إذا كانت إدارته ستتّخذ المزيد من الخطوات العمليّة في سوريا، علماً أنّ الرئيس الأميركيّ لا يزال يصرّ على حصر مهمّة جنوده هناك بشقّ مكافحة إرهاب داعش.

باستثناء الملفّ النوويّ والخطابات الأميركيّة، لا يزال الغموض يكتنف الاستراتيجيّة الأميركيّة العامّة تجاه النفوذ الإيرانيّ في المنطقة. منذ سنة 2015، عمد نتنياهو إلى تعزيز روابط حكومته مع روسيا من أجل تعويض تراجع التأثير الأميركي في الشرق الأوسط، وهو مستمرّ في السياسة نفسها. لذلك، توجّه اليوم إلى موسكو للقاء الرئيس الروسيّ فلاديمير #بوتين. وقبيل مغادرته قال نتنياهو: "الاجتماعات بيننا دائماً مهمّة وهذا الاجتماع تحديداً هو كذلك. في ضوء الأحداث الجارية في سوريا، من الضروري ضمان استمرار التنسيق بين الجيشين الروسيّ والإسرائيليّ".

"علاقة فعّالة وقويّة"

لكن بالحديث عن التنسيق، يبدو أنّ الإسرائيليّين لا يبلغون الروس مسبقاً بضرباتهم داخل سوريا كما جرت العادة. ففي التاسع من نيسان، حين شنّت إسرائيل غارات ضدّ قاعدة التيفور في حمص، قال الناطق باسم الكرملين إنّ إسرائيل لم تبلغ موسكو بتحرّكها. ومن غير الواضح ما إذا كانت الغارات اللاحقة بما فيها غارات أمس قد علمت بها روسيا مسبقاً. وتتزامن زيارة نتنياهو مع احتفال موسكو اليوم بالذكرى الثالثة والسبعين للانتصار على النازيّة حيث أقامت موسكو عرضاً عسكريّاً للمناسبة في الساحة الحمراء وقد حضره رئيس الوزراء الإسرائيليّ. لكن إذا كانت العلاقات الإسرائيليّة الروسيّة معقدة نظراً لاختلاف حليفيهما فوق الأراضي السوريّة، فإنّ الاستعراض العسكريّ قد لا يكون أقلّ تعقيداً في بعض زواياه.

ففي وقت تتمتّع موسكو وتل أبيب بنظرة مشتركة إلى الانتصار على النازيّة، فإنّ نتنياهو "سيشاهد (في العرض العسكريّ يوم الأربعاء) بعضاً من المعدّات التي تسعى إليها طهران من أجل تعزيز ترسانتها الخاصّة"، كما كتب نايثان هودج في موقع شبكة "سي أن أن". وكانت إسرائيل قد طالبت الروس في السابق بعدم بيع أسلحة إلى الإيرانيّين كما حصل في أواخر سنة 2016. ومن بين الخلافات أيضاً، نظرة بوتين البعيدة المدى والمؤيّدة للإبقاء على الاتّفاق النووي بعكس نتنياهو. لكنّ هودج يرى أيضاً أنّ لدى الأخير "علاقة فعّالة قويّة مع بوتين" وقد أبقيا على خطوط تواصل مفتوحة بينهما خلال التصعيد الإسرائيليّ الإيرانيّ المتزايد داخل سوريا.

"إساءة حكم"

على الرغم من ذلك، لا يوافق جميع المراقبين على "فاعليّة وقوّة" هذه العلاقة بين الطرفين. منذ شهر، كتب مراسل صحيفة "ذا غارديان" البريطانيّة في القدس بيتر بومون أنّ نتنياهو "أساء الحكم" على السياسات الروسيّة في سوريا. فرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنى مسيرته على قاعدة أنّه سيقف سدّاً منيعاً في وجه إيران، وقد فاخر بأنّه استطاع التوصّل إلى بناء خط مفتوح مع الروس لضرب الأسلحة الإيرانيّة الخطرة داخل سوريا. لكنّ التوسّع الإيرانيّ هناك باتّجاه الغرب والجنوب يشدّد على أنّ "الواقع هو أنّ إسرائيل – ونتنياهو بالتحديد – قرآ بشكل سيّئ جدّاً مسار إعادة انخراط روسيا في الشرق الأوسط".

هل يعطي قرار ترامب رئيس الوزراء الإسرائيليّ مزيداً من الدعم خلال محادثاته مع بوتين لكي يصل إلى اتّفاق مبدئيّ حول تحجيم الإيرانيّين في سوريا؟ في بيان أصدره بعد ظهر الأربعاء، أعرب نتنياهو عن تقديره للرئيس الروسي بسبب تقديمه الفرصة "لمناقشة مشاكل إقليميّة" كما شكره على محاولاته حلّ المسائل ورفع التهديدات ب "طريقة مسؤولة وحذرة". يُحتمل أن يكون قرار أمس قد شكّل دافعاً لنتنياهو كي يطالب الروس بفرض المزيد من القيود على الإيرانيّين. لكن بالمقابل، من المرجّح أن يكون بوتين قد أسمعه وجهة نظره تجاه هذا الحدث، خصوصاً أنّ البعض توقّع أن تقرّب خطوة ترامب الأخيرة بين الروس والإيرانيّين. على أيّ حال، قد تكشف الساحة السوريّة بعضاً ممّا تمّ تداوله بين المسؤولين خلال المرحلة القادمة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard