إنهم الأبطال ذوو الإمكانات الخاصة!

26 نيسان 2018 | 11:33

المصدر: "النهار"

لم يكن لديّ أدنى شك في أنّ هذا اليوم الربيعي سيكون يوم عمل عاديّاً عابراً في حياتي. لا ينفكّ ذلك الشعور يراودني قبل أيّ تجربة إنسانيّة، وخصوصاً قبل نسجِ أيّ تواصلٍ جديد مع عيّنةٍ من أبناء هذا المجتمع، الذين حبتهم الحياة الكثير من العطايا والمزايا والهبات مقابل ما حُرِموه، مقارنةً بأقرانهم. 

طوال الفترة التي أمضيتها في الطريق الى ذلك المكان، كانت تتزاحم في خلدي عشرات الأفكار ومئات التصوّرات عما ستكون عليه هذه التجربة، وهل أنا مستعدة نفسياً لخوض غمارها من جديد!

الأمر الأكثر إلحاحاً في ذهني كان مقدار الغبن الذي يتعرض له هؤلاء الأطفال لمجرد اختيار تسميتهم أو تصنيفهم، اعتماداً على مأساتهم وبعيداً من كل ما يميّزهم.

فكرتُ كثيراً، لعلّني أجد لهم صفةً تُبعِدهم عن تسمية "ذوي الحاجات الخاصة"، و"المعوقين"، وغيرها من الالفاظ التي تبخسهم أبسط حقوقهم في الحياة.

على حين غرّة، وجدتُني بين أولئك الأطفال في بيتهم الصغير ومجتمعهم البسيط.

ابتساماتٌ رائعة تعلو وجوههم لتمحو أثر مأساتهم.

ابتساماتٌ وضحكاتٌ اعتاد الكثيرون على تفسيرها بأن هؤلاء الأطفال لا يدرون حجم مأساتهم ولا يعون مدى العناء الذي ستكون عليه أعمارهم المقبلة.

أكاد أجزم بأنّ ذلك لا يمتّ إلى الواقع بأيّ صلة، على الرّغم من صغر سِنّهم وما يعانونه من أعراضٍ جسديةٍ ونفسيّةٍ. إنهم يعرفون حقّ المعرفة ما ينتظرهم، ومقدار الألم والمعاناة اللذين سيرافقانهم طوال حياتهم.

حقاً هو الأمل.

إنه التعبير الأدقّ عن الفطرة السليمة، وبعض الإنسانية التي خُلِقت عليها نفوسنا.

وسط زحام الاجتماعات والنقاشات التي كانت تدور مع طاقم العمل في ذلك المكان، تكررت لحظات ذهولي وابتعادي عما يجري حولي.

كانت أصوات ضحكاتهم العذبة تتعالى لتؤجّج جموح خيالي وفضولي وتساؤلي عما يجري خارج جدران غرفة الاجتماعات.

تُرى، ما الذي يسعد هؤلاء المطعونين في طفولتهم، إلى ذلك الحدّ!؟

ما سرّ تلك الضحكات البريئة؟

هل هنالك حقاً ما يُبهجهم ويُؤنس وحشتهم على الرغم من حجم المأساة؟!

لم أستطع أن أتمالك نفسي أكثر. سريعاً، أنهيت ما أتيت لأجله، وبدأت أجول في أرجاء المكان.

لكأنها خليّة نحل.

مذهلٌ ما يستطيع أولئك الأبطال أن يفعلوه.

إنهم أبطال حقاً.

ربما يعجز كثيرون من ذوي العقل السليم والصحة الجسدية التامة، عن إنجاز ما يُتقنه هؤلاء بمهارةٍ لا متناهية.

إصرارٌ، تأنٍّ، إبداعٌ، وإتقانٌ، تعكس تميّزاً وقدراتٍ عزّ نظيرها.

... ربما يشعر مَن يقرأ كلماتي ببعض المبالغة أو بالانحياز أو التعاطف.

لكن لا. فما رأته عيناي اليوم، جعلني أُعيد النظر في كل تفاصيل حياتي، وبتّ أعتبر الهموم والمشكلات مهما عظمت، غير ذات أهمية.

بدأت أشعر بأنها سحابة صيف لا بدّ أن تتلاشى.

كلما نظرت في عينيّ أحدهم، رمقني بتلك النظرة التي يتحدى بها الألم والمرض والمعاناة، رافضاً الشفقة والتعاطف والإمعان في إظهار الرأفة والحنان!

إحدى الفتيات اللاتي يُقمن في ذلك المركز، كانت تمسك يد طفلةٍ وتساعدها على نزول الدرج، بكلّ محبّةٍ ورويّةٍ وحنان، وبكلّ العفوية والصبر والاتّزان.

كلّ خطوةٍ تخطوها تلك الصغيرة، كانت تنعكس في عينَي الفتاة التي تساعدها، فخراً وثباتاً وسعادةً، وكأنّ لسان حالها يقول: "ها نحن نتغلب على الصعاب، خطوةً خطوة، معاً نستطيع، ولا شيء سيوقفنا عن التحدي والأمل".

ربّما كانت المرّة الأولى في حياتي استطعتُ فيها أن أغالب دموعي.

لم أسمح للعبرات أن تنهمر، وأنا أمام تلك الصلابة الروحية.

ابتسمتُ ومضيت، وفي قلبي لاح فجرٌ جديد.

بارقة أملٍ لمعتْ، كنت بأمسّ الحاجة إليها من دون أن أُدرك ذلك.

في جعبتي الكثير، ولكن يكفيني الآن أن أقول: شكراً لكم، أنتم ذوي الإمكانات الخاصة.

الكثيرون من الأصحاء هم في حقيقة الأمر "ذوو الحاجات الخاصة"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard