رشّة ملح... صناعة الكواكب

17 نيسان 2018 | 10:49

المصدر: "النهار"

"مثلما تسمّون اليابان في العراق كوكبًا سيكون العراق كوكبًا، أيضًا". بهذه العبارة، المبهجة بمضمونها، استقبل رئيس الوزراء الياباني ضيفه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي خلال زيارته العاصمة اليابانية طوكيو، وعندما سُئل السفير الياباني في بغداد على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، "فايسبوك"، عن مدى واقعية قول رئيس الوزراء الياباني أجاب حرفيًّا، وباقتضاب شديد: "هذا حسب إرادة العراق وجهوده". لكن إذا أردنا أن نقترب من جواب السفير الياباني فعلينا أن نتوسع لنواجه الأسئلة الآتية: 

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولة تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق على صعيد الرؤية السياسية والاقتصادية، ويتناهش مؤسساتها نفوذ دول الاحتلال ذات المصالح والأهداف المتناقضة والمتصارعة؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولة تغيب لديها القدرة على ضبط الأمن وفرض القانون على نفسها وعلى مواطنيها فتُنتهَك سيادتها يوميًّا على يد العصابة والعشيرة والميليشيات الحزبية، فضلاً عن الأحزاب ذاتها ودول الاحتلال المباشر وغير المباشر؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولة فقد الكثير من مواطنيها حس المسؤولية الوطنية بفعل الحروب العبثية الدائمة وعدم الاستقرار الطويل واللامبالاة والإهمال الذي يتعرضون له من المتسلطين، والاستخفاف بمعاناتهم الذي يلقونه من الأحزاب الحاكمة، وبفعل تجيير دماء أبنائهم وذويهم وتضحياتهم، لمشاريع اقليمية تحلم باستعادة امبراطورياتها الغابرة؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولة تحكم وتقوم على مجتمع تغيب عنه الهوية الوطنية الجامعة وتسود الفردية والأنانية معظم قياداته فضلاً عن ارتباطها بدوائر التأثير الخارجي ارتباطًا يتجاوز حدود المعقول السياسي؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولة ٍثرواتُها تُنهَب وتُهرّب إلى الخارج دون حسيب أو رقيب|، وعائداتها تضيع بين سوء التخطيط وسوء الإدارة والجهل وعمق هوّة الفساد المدعوم بقوى الأمر الواقع في الداخل ومغطى بقوّة الخارج الذي يرعى الفاسدين؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولة تتعرض للجفاف ولحصار مائي من جيرانها وتعطلت فيها قوى الإنتاج الزراعي والحيواني فصار مجتمعها "يأكل مما لا يزرع ويلبس مما لا ينسج"، وتحكمه ويلاتٌ أكثر من الويلات التسع التي حذّر منها جبران خليل جبران؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ تفتقر إلى مواصلاتٍ بريّة آمنة وشبكة هاتف أرضي فاعلة، وتعاني من تعثر وسوء شبكة الربط العالمية (Internet)، وكل ما من شأنه تسهيل عمل الشركات المنفّذة، وخصوصًا الأجنبية منها، مثلما تعاني من عدم توفر التيار الكهربائي بشكلٍ دائم، والذي لا يزال أُمنيةً يومية للمواطن لا تتقدم عليها سوى أمنية السير في الشارع والعودة إلى البيت آمنًا؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ لا يزال الإرهاب يكمن في نواحيها الأشد حاجةً لإعادة الإعمار ويطلّ برأسه بين حينٍ وآخر، فيقطع الطرق الخارجية ليخطف ويذبح بعد أن ينسحب مع المخطوفين إلى مكامنه الآمنة.

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ يتسكع متخرجوها الجامعيون في الشوارع أو يعملون في مهنٍ لا تتناسب مع تحصيلهم العلمي ومكانتهم الاجتماعية، بينما تجري التعيينات في دوائر الدولة على أساس المحسوبية الحزبية والعائلية والرشوة بعيداً من الكفاءة والاختصاص والخبرة والنزاهة؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ أدمنت فئةٌ كبيرةٌ من شبابها المخدرات التي تدخل بحماية السيارات المظلَّلة للميليشيات وأحزابها المتنفّذة وتوزع مجانًا في أحايينَ كثيرة؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ فقدت السيطرة على منافذها الحدودية فصارت معابرَ للأدوية الفاسدة والأغذية الفاسدة وفيروسات الموت كالإيدز وإنفلونزا الطيور وغيرهما، فضلاً عن المخدرات، كما غدت منافذ للابتزاز والإثراء غير المشروع والرشى لتسهيل دخول الارهابيين والمواد الممنوعة، حتى تلك التي تضرّ بالأمن الداخلي للبلاد أو التي تهدد أمنها الغذائي؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ ترى فيها معظم الأحزاب الإسلامية عائدية المال العام وكل ممتلكات الدولة إلى مجهول، وتعتبر الاستيلاء عليها، وفقًا لذلك، حلالاً وليس اغتصابًا أو سرقة؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ تتجاوز فيها أيام العطل 140 يومًا وأكثر من 150 يومًا في بعض المحافطات خلال العام الواحد؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ يعارض جميع أعضاء اللجنة القانونية في برلمانها منع المدانين بالفساد من الترشّح إلى الندوة البرلمانية، وفي كل دورة من الدورات السابقة والدورة الحالية يشرّع النواب عفواً قانونيًا عمّن أدينوا به؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ يُنظَر فيها إلى المنصب على أنه تعويضٌ أو مكافأةٌ وليس تأديةً لواجبٍ وطنيٍّ يهدفُ إلى خدمة المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية والدينية والطائفية والعرقية.

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ تُشترى فيها الذمم وتُغطّى فيها نفقات الدعاية الانتخابية بالأموال المكتسبة من الفساد في مرافقَ حكوميةٍ يُفترض أنها أمانة وطنية لدى الكتل النيابية وممثليها في الحكومة؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ يستخدم فيها جُلُّ المرشحين هذه الخطط للدعاية الانتخابية وهم يهيّئون شركاتهم ويحسبون حصصهم في المشاريع مقابل حصص خصومهم لتكون ميزانهم في الممارسة البرلمانية المقبلة؟

هل يمكن أن تنجح خطط البناء وإعادة الإعمار في دولةٍ تحوم فيها الشبهات حول لجنة النزاهة البرلمانية ذاتها وتُطلَق الاتهامات ضد رئيسها من زميلٍ له في الهيئة يعترف علنًا بتلقّي الرشوة؟

الأسئلة تبدو كثيرة، لكن كلّ المؤشرات تذهب إلى أن هذه الخطط، بالإضافة إلى كونها سلّمًا إنتخابيًّا، ستكون بالنسبة إلى أصحاب السطوة وعموم الفاسدين مصدراً يلجأون إليه لمراكمة الثروات المسلوبة من الشعب ومن حقوق فقرائه ومحتاجيه، وسوف لا تكون بالنسبة إلى العراقيين سوى قبض ريح، وخصوصًا إن التجربة الماضية أثبتت أن أحزابنا لم تعِ بعد ضرورة التمييز بين الحكومة كهيئة سياسية موقتة والإدارة الحكومية التي، بفعل ثباتها النسبي، تُراكم الخبرات، وذلك ما يجعل توجهات العبادي عرضةً للانتكاس المحتمل إذا لم يحالفه الحظ بعد الانتخابات المقبلة في الوصول إلى رئاسة الوزارة. لكن العراقيين من دون شك، يأملون على رغم ذلك، أن يكون لدى رئيسي الوزراء في اليابان والعراق، مؤشراتٌ مختلفة، قد لا يفهمها إلّا صنّاع الكواكب وحدهم.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard